الأحد، 25 ديسمبر 2022

 الحروب و"المصائر" المأساوية لضحاياها

قراءة للأستاذ الناقد/ علي بنساعود

في القصة القصيرة بعنوان:

مصائر

للاديبة/ صديقة علي

____________ 


"مصائر" نص بديع، للقاصة السورية صديقة علي، أول ما استوقفني فيه عنوانه "مصائر"، وهو، حسب المعجم، جمع "مصير"، ويعني "مآل الأمر وما ينتهي إليه"، وما دمنا أمام نص قصصي، فسنفترض أن النص يستعرض مصائر/ مآلات/ نهايات متعددة لكائنات ربما هي شخصيات النص!

ومعلوم أن لفظة "مصير" وردت عدة مرات في القرآن الكريم، وبصيغ متعددة منها: (بئس المصير/ إلي المصير/ إليك المصير/ ساءت مصيرا...).

وقد أحالني عنوان هذا القصة "مصائر" على رواية للكاتب الفلسطيني "ربعي المدهون"، موسومة أيضا ب"مصائر (كونشرتو الهولوكوست والنكبة)" (2015)  وهي رواية حازت على "جائزة بوكر العربية"، وتتناول مأساة فلسطين من جوانب متعددة/ شاملة وغير معهودة، إذ تثير أسئلة النكبة، والهولوكوست، وحق العودة، علاوة على أنها تعالج قضية الفلسطينيين الذين يعانون مشكلة الوجود المنفصم، بحملهم الجنسية الإسرائيلية المفُروضة عليهم قسرًا، كما تتطرق لمعاناة الفلسطينيين الذين هُجِّروا من أرضهم إلى المنفى الكبير، ثم راحوا يحاولون العودة بطرق فردية إلى أرضهم المحتلة. وبالتالي فإنها رواية فلسطين الداخل والخارج.

وإن نحن ربطنا بين العنوان "مصائر" ومعناه المعجمي وإحالته على رواية "مصائر (كونشرتو الهولوكوست والنكبة)، للفلسطيني "ربعي المدهون، فسنفترض أن عنوان هذا النص "مصائر" عتبة تهيئ القارئ المفترض لتلقي قصة ترسم لشخصيات نكرة "نهايات" مرجح أنها "مأساوية!" سيما أن الإنسان يميل بطبعه إلى الأعمال التي تثير الشفقة لديه ومشاعر الخوف والحماس اتجاه الأحداث...

وإذا ما نحن ولجنا النص بهذه الخلفية، فسنجد السرد سلسا وسهلا، ممتعا وممتنعا، يعري مظهرا آخر من مظاهر معاناة النازحين وأطفالهم واستغلال تجار الحروب لهم... وإذا ما نحن أغفلنا جنسية الكاتبة (سورية)، فسنلاحظ أن القصة لا تحيل على أي جنسية، ما يعني أنها مفتوحة تعالج قضية الإنسان النازح، بسبب الحروب، مهما تكن هويته...

وحتى يتسنى له ذلك، تناول فكرة بسيطة، مبتكرة، غير مستهلكة، وتتمثل في "أنسنة الجماد" وقد نجحت الكاتبة في ذلك، بل أبانت عن مهارة فائقة في ذلك، إذ أخرجت علبة الكرتون من شيئيتها الراسخة، وجعلت لها بصرا وسمعا وذاكرة، كما جعلتها تفيض حياة ومشاعر، قادرة على الفعل ورد الفعل، أي أنها بنت منها شخصيةً حية ذات كينونة جديدة، مثيرً، غنيةً، مقنعةً، تختلف كثيراً عن كينونتها القديمة. لذلك، لا غرابة إن رأينا علبة الكرتون تحكي، وتقدم شهادتها، تحس بالطفل، وتعطف عليه، وتحاول أن تقدم له ما عجز الإنسان عن تقديمه له! 

كما أن علبة الكرتون هذه فضحت تاجر الحرب "أبا مخلص" وعرته، وكشفت سوأته وما يمارسه من مضاربة واحتكار، وما يحمله في دواخله من غل وكراهية اتجاه البسطاء والمستضعفين!  

كل هذا تم من خلال سرد الأحداث على لسان علبة كرتون تحولت إلى شاهد "شاف كل حاجة"، حسب تعبير الأستاذة "بوح الياسمين" شاهد على المعاناة والتجاوزات والفساد الذي يعم البلاد والعباد. وهي علبة كرتون ظلت مؤنسنة حتى بعد إعادة تدويرها وتحويلها إلى ورقة، إذ بعدما كانت تحوي عبوات الزيت تحولت إلى مأوى للطفل المشرد، وفراش لنومه، تعوضه عن أمه، فتحاول أن تحنو عليه، وتحميه من البرد، وتستمتع بتنفسه المنتظم، وتراقب أحلامه المستحيلة... ثم تصبح فضلة ونفاية يتلقفها عامل النظافة فيأخذها إلى معمل للتدوير فتصير أوراقا تسجل عليها الأسماء وأرقام المبالغ المالية وقصائد عن الوطن...

وحين ننتهي من قراءة النص، يتضح لنا أن المصائر التي قصدتها القاصة في العنوان هي: 

_مصير علبة الكرتون ومصير الطفل الذي تم "تدويره أيضا" ليتحول من طفل يعيش وسط أسرة هانئة مطمئنة إلى طفل مشرد تطارده الركلات واللعنات، طفل مصر على الحلم ببيت كبير دافئ، يهدهده أبواه كي ينام... فيطير فوق مائدة أطفال يرمقونه برجاء، يدعوهم لحلوى شهيّة"، كما أنه طفل مسخه "أبو مخلص وخلع عنه صفاته الآدمية، و"حَيْوَنَهُ" حين قال مخاطبا إياه:

_أنت... أنت يا قرد، ابتعد عن السيارة...

ومصير الشعر وقصائده المبتذلة... (الإحراق) 

ومصير "أبي مخلص" المفتوح على مزيد من الاحتكار والمضاربة والاغتناء اللامشروع، إذ لا شيء في الأفق يوحي بأنه مهدد وسيتوقف عن جرائمه... بل إنه عزز مركزه بتحوله إلى شاعر مناسبات مهمة يلقي القصائد في الاحتفالات الوطنية. وهي قصائد حسبه "تُبكي الحجر، وتُثير الشجن، وتتحدث عن أطفال شرّدتهم الحرب."

وهذا ما قد يعني أن المعاناة ستستمر وأن مصائر الشعوب ستظل في كف عفريت إلى ما شاء الله...

(في الختام، أزكي مقترح حذف التساؤل الذي يقول: (تحيط شعرها بمنشفة وردية، تبدو (كنفرتيتي)، كيف أعرف (نفرتيتي؟)...

وأحبذ ختم النص بحرق الورقة المكتوب عليها الشعر فقط دون أوراق الحسابات المالية...)

علي بنساعود

_________


النص:

مصائر

يحملني على كتفه، أبتلُّ بنضح عرقه، يتعبني لهاثه وتؤلمني أظافره المتشبثة بي بقوة، يقرع الجرس؛ فينفتح الباب على صالون أثاثه فاخر، شاشة تلفاز كبيرة تعرض صور الحرب، وتقارير سمعتها مرارا وتكرارا من خلال مذياع شاحنة، ومن خلف جدار مستودع بارد ألقوني به على عجل أيضاً، وأخفوني وأخواتي عن الأعين. طاولة زجاجيّة تحيط بها كراسٍ مجلّلة بغطاء ذهبي تحيط به شريطة صفراء، ومكتبة تتزيّن بمجلّدات ضخمة أغلفتها أنيقة وجديدة كأنها لم تُمسس، أوراق مبعثرة وأقلام مذهبة ملقاة على مكتب فخم خلف كرسي دوّار. السيدة المعطرة يبدو أنها خرجت للتو من حمام دافئ، تحيط شعرها بمنشفة وردية، تبدو (كنفرتيتي)، كيف أعرف (نفرتيتي؟)؛ ألم تطلّ يوما جدتي المورقة على نافذتها. كم أودّ الآن لو سألت جدتي عن أبي مخلص هل تعرفه! كانت السيّدة تطلي أظافرها بألوان زاهية وتدندن بأغنية لا أعرفها. خرجت الكلمات مشوبة بلهاث حاملي:

-سيدتي أرسل لك أبو مخلص هذه...

-زيت؟

يومئ برأسه أنْ نعم. تخاطب الخادمة التي ترمقنا ببرود:

لحظة...، غيِّري لي المحطة، تنفخ أظافرها لتجفف طلاءها وتكمل: صدّعوا رأسنا بتقاريرهم.

يتأفف حاملي من انتظاره ومن ثقلي على كتفه والسيّدة غير مكترثة بالوقت ولا بحاملي.

_أفرغيها وارمِ الكرتونة كي لا تجذب الصراصر.

كم هذه السيّدة مقيتة! أشعرتني بإهانة ومذلّة.

(أأنا أجذب الصراصر؟).

تصرخ بالخادمة:

-ماذا قلت؟.

تصفّ الخادمة عبوات الزيت على طاولة المطبخ، وتحملني بعد فراغي تعبر بي إلى الشرفة... يُبهرني كريستال الثريات وهي تعكس نور الشمس. أمتلئُ بالريح وأطير، تدور الدنيا بي، أسقط على الرصيف... يتلقفني طفل بلهفة المنتصر ويركض مبتهجا... ما أن يحلّ المساء حتى أصبح مأوى مريحا للطفل... أحاول جاهدة أن أحنو عليه، أحميه ما استطعت من هواء بارد ظالم لجسده الغضّ، أستمتع بتنفسه المنتظم وأراقب أحلامه المستحيلة... بيت كبير دافئ، أبواه يهدهدانه كي ينام... يطير فوق مائدة، أطفال يرمقونه برجاء، يدعوهم لحلوى شهيّة، أسمع قرقرة لعابه وهو يتلمّظ، أقفل غطائي فوقه كي أحميه من كلب شارد. أستيقظ ممتنة لدفء الشّمس المجانيّ، أسمع وقع خطوات قادمة بغضب نحوي، حذاء أنيق ملمّع جيدا بالورنيش يركلني فينتفض الطفل من نومه العميق

_أنت... أنت، يا قرد، ابتعد عن السيارة... متى نرتاح من قرفكم، تنام بكرتونة يا وسخ، 

صاحب هذا الصوت ليس بغريب عني... تذكرت، هو ذاته أبو مخلص كيف أتوه عنه، كنت قد سمعت صراخه بجمع غفير

_لا يوجد زيت... انتهت المعونات.

سمعته بعد أن أمر بتنحيتي جانبا يفاوض على بيع أخواتي...

_السعر العالمي للزيت ارتفع، فكيف تريد مني ألّا أرفع السعر؟. زيت ذرة وليس عباد الشمس... أغلى، أغلى طبعا... اتفقنا.

ما أن يثب الطفل خائفا؛ حتى يطيرني أبو مخلص بركلته الوقحة، إلى الجهة المقابلة، يستقلّ سيّارته الفارهة وهو يشتم الطّفل وأباه وأمه. يتلقفني عامل النظافة ليغرزني بقسوة بوتد حديديّ في عربته، كان قد أعدّه لي ولأمثالي يسوق عربته مبتعدا وعينا الطّفل تودعانني بحسرة حارقة. دخلت وجلا معملا للتدوير، صيروني من جديد عجينة، ثم جففوني وسحبوني وصقلوني بقسوة، ثم دبغوني باسم جديد، لأصير غلافا لماعون ورق... حظي العاثر يعيدني إلى أبي مخلص. يجلس خلف مكتبه يسحب مني ورقة يطويها طولانيّا ويسجلّ أسماء وأرقام مبالغ مالية وصلت وأخرى لم تصل، وأنواع زيوت أخرى غير الّتي عرفتها، يتنهّد منتشيا بانتصاره، يدور بكرسيه يمينا ويسارا، يسحب ورقة اخرى يعنونها بـ (طفل مشرَّد)، أراقبه بذهول وهو يدوّن قصائد عن الوطن... 

_ومنذ متى كنت شاعرا؟.

_لا استغرب أن مثلك لا تواكب تطوراتي؛ فأنت لا تتابعين التغيّرات، ولا حتى صفحتي على الفيس بوك، اهتمامك منحصر بالتوافه.

تضحك وترمقه بنظرة ساخرة، وتتابع الفيلم متمتمة:

- الله... الله، عشنا وشفنا أبو مخلص شاعر المناسبات!

ـأتسخرين...؟، أي، نعم، يا سيدتي مناسبات مهمة أنا شاعرها والقصيدة سألقيها غدا باحتفال وطني. اسمعي هذه القصيدة، تُبكي الحجر، تُثير الشجن، تتحدث عن أطفال شرّدتهم الحرب.

وبكلّ ما أوتيت من قوّة أصفعه بحنقي منتفضة: بل تثير القرف.

يصرخ في وجه زوجته مذهولا:

_ماذا قلتِ؟.

كانت هذه المرة الأولى الّتي أرى فيها علامات الخوف والقلق تكتسح وجهه، فيحملني وقصائده وأوراق حساباته الماليّة على عجل إلى نار المدفأة.

صديقة علي

الخميس، 6 أكتوبر 2022

ملف قصة شهر سبتمبر 2022 / لفحات أغسطس / للأديب : سيف بدوي

 

ملف قصة شهر سبتمبر 2022

عن قصة "لفحات أغسطس".. للأديب / سيف بدوي

أدارت الفعالية.. الأستاذة الأديبة/ منال خطاب

------------------------------------------- 

ورشة عمل سبتمبرSeptember2022🌄

أحبتي:

أطيب المنى وأرق التحيات والتقدير ..

*خصصت واحة القصة القصيرة الأسبوع الثالث من كل شهر لاستعراض واحد من النصوص علي سبيل المدارسة، وتبادل المعرفة.

ولما كنا نعدكم ضمن أبرز المساهمين في هذا الفن، إبداعا، ورؤية. فإننا نأمل في إثرائكم فاعلية قصة الشهر بتقديم دراسة متخصصة ،أو رؤية، ولو في عجالة، عن القصة التي سيتم طرحها للمناقشة الآن.

و سوف ينشر النص بالصحف المصرية من قبيل حرص الواحة للإعلام عن مبدعيها، كما ستعد مدونة مكتملة؛ كتوثيق لكل التعليقات والدراسات، ويحتفظ بها فى أرشيف الواحة.كما يخصص يوم الأثنين لنشر الدراسات التى قدمت خلال الاسبوع عن النص منفردة داخل الواحة ويرافقها صورة شخصية لصاحبها اذا توفرت لنا من صفحة الفيسبوك.

مع خالص الود والتقدير لكل من يشاركنا العُرس الشهرى.(قصة الشهر القادم سيتم اختيارها من قصص الكتاب المتفاعلين مع كل النصوص المنشورة، وتحجب أعمال السادة الكتاب الذين لا يتفاعلون مع نصوص غيرهم، وذلك حرصا على التفاعل الإيجابي وتبادل الخبرات النقدية.

والقصة التي فازت بأغلبية التصويت من قبل مدراء الواحة هذا الشهر ، من إبداعات الكاتب سيف بدوي.

..وقتا ممتعا معكم وبكم .(اللوجو الخاص بالقصة من ابداعات أخى العزيز محمد الرحالي..أرق تحية له ولفريق العمل بواحتناالحبيبةالذى يشاركنى الجهد)

منال خطاب

_______________

المناولات، طبقا لترتيب ورودها:

_______________

1 - ياسر إلياس

 

القصة جميلة في لغتها السهلة وسردها السلس، الوصف متميز في رسم المكان أو شخصية الست امتياز و انفعالات الوجه أو اختلاجات الرجل النفسية، الفكرة تتمحور حول العزلة والوحدة لشخص مريض أو مسن، يستعيد ذكريات قديمة لشريكة حياته التي رحلت أو انفصلت عنه، لاتخلو القصة من الرمزية، مثل يد الهون والتي قد ترمز للمتاعب الممتابعة وكذلك صعود السلم، وحتى رسمة روميو وجوليت المنقوشة على فنجان القهوة والتي تشير لقصة الحب التي تنتهي بمأسآة حسب القصة المعروفة...

يلاحظ بعض الكلمات العامية التي من الممكن أن لا تكون مفهومة لكل القراء العرب على اختلاف بلدانهم، مثل كلمة نخاشيشه أو تلقيمة بن أو كنكة.....

القصة ممتعة وأتمنى كل التوفيق للكاتب...

_______________

Maisoun Al Saadi 2

تجذبني النصوص التي تسبر النفس البشرية من خلال الأحلام والذكريات...حقيقتنا تبرز من خلال لمحة حلم. ...الحلم يضع النقاط على الحروف أكثر من كل ما نتفوه به...

نص جميل ..سبك بحرفية دون إسفاف أو ترهل..يترك لنا مساحات واسعة للقراءة ..لا نستطيع بالنهاية أن نكن غير أنفسنا وكما نقول كل إناء بما فيه ينضح

كل الود والاحترام...

_______________

Rmouti Hassan  3

قصة بطلتها السيدة امتياز والهون، وبطلها الذي كان ينوي وضع حد لطرقات الهون الذي يضج في رأسه، لكنه تراجع وهو يرى السيدة امتياز قادمة إليه حافية القدمين وبجسد ينضح عرقا ويعود إلى شقته خائبا، هل هو عجز منه، أم أن السيدة امتياز ملأت تفكيره،يستفيق على ذكريات حزينة ثم على امتياز وهي تزور شقته بكرم

وبصينية تفوح من رائحة طعام ممزوج برائحتها، هل هي بداية علاقة بينهما، التي كان سببها دقات الهون، من يدري، النص مفتوح على كل الاحتمالات، النص على العموم جميل، ولغتة بسيطة سلسة.

_______________

Boukharta Lhoussain  4

كنوز الحياة الشعبية

قراءة في القصة القصيرة "لفحات أغسطس" لسيف بدوي

الحسين بوخرطة

تطرقت هذه القصة الرائعة بكل المقاييس إلى موضوع شائك وحساس وواقعي. إنه إشكال علاقة التموقع الطبقى ومتعة المعيش في دول الجنوب عامة والعالم العربي خاصة ومنطق آليات الصعود إلى الأعلى التي لا تستوي في الأذهان. العديد من النخب والطاقات تشتغل وتستثمر بكل ما لديها من جهد في الفضاء المشروع الممكن، لكنها لا تتمكن من تحقيق الارتقاء الطبقي المستحق. في نفس الآن، تينع ثروات آخرين بسرعة فائقة ويندمجون في الرفاه السكني والترفيهي مجتمعين في الأحياء الراقية في المدن أو يختارون سكنا قرويا راقيا باللوازم الأمنية الضرورية. هناك من تجاوز بنجاح كل المستويات التعليمية الموجودة في بلاده وتوفق بامتياز في قمتها، لكنه يبقى ملتصقا متعايشا مع ناس الطبقة الشعبية. وهناك من ينخرط بدون أي انشغال أو قلق أو معاتبة للنفس في منظومات المجالات الحيوية في بلاده، فتترعرع ثروته ضامنا حمايته من ضجيج العامة.

أبرز لنا الكاتب بتوالي مجريات أحداث هذه القصة أن فضاء عيش القوات الشعبية يختزن ثروات متعة لا تقارن. فضاء جمال وبهاء ودفء ورغبات تتجدد على مدى الساعة. لقد تم خلق منظومات إدماجية في عالم الفساد لا يقاومها إلا الأبرار الراضين بالعيش جنبا إلى جنب وكيف ما كانت الظروف والمخاطر مع القوات الشعبية. إنه فضاء ممتع قد يخفي مغرياته الأخاذة وأسراره الماتعة ما يروج في شأنه من توصيفات توهم المطلع عليها أنه فضاء ينعق في سماه شبح موت غادر لا يؤتمن.

تلكم الوضعية التي يعيشها بطل قصة "لفحات أغسطس". المكان شقة في عمارة شعبية، والزمن شهر أغسطس الذي لا يحتمل بحرارته المشؤومة (السرير يبخ صهدا). البطل في وضعية منهكة، يتحمل حزنا مضنيا. هواجس تتحكم بغطرسة مستبدة على لحظات حياته. يغادر النوم جفونه ويصبح خفيفا وائدا أمله في تحقيق إشباع وجوده بقدر كاف من الراحة. إنه وحيد في شقته. تقطن في الشقة فوقه امرأة تتلذذ الدق على الهون النحاسي. اعتبر صادقا طنين الدقات على الهون أرحم مما يخالجه من ذكريات مؤلمة. تاه بين الدقات الطنانة والذكريات الحزينة إلى درجة عجز عن التمييز هل هو في لحظات نوم أم يقظة.

طمح الراوي تحليل معاناة ذكرياته، لكنه يرى التخلص من الطنين أولوية لا تترك له مجالا للتماهي أو الحياد. بوادر التعب بادية عليه. نزل من سريره وتشبثت يده بدرج التسريحة ونهض. بقواه المنهكة صعد السلالم مشرئبا فكرة التخلص النهائي من دقات الهون. عزم على تحقيق هدفه ولو اضطره ذلك لأن يُمسك بيده الثقيلة و يهبدها- ولو مرة واحدة - في رأس الست. اسمها امتياز وللاسم دلالة. إضافة لكونها امرأة، فهي فوقه وليست تحته. رآها فتجمد أمام باب شقتها المفتوح. كانت امتياز تجلس وسط الصالة شبه الفارغة في فضاء زادها بهاء وجاذبية. فراش بورود حمراء كبيرة وأوراق خضراء مفلطحة. يتوسط الفضاء منظرا مغريا أربك نفسية الرجل الوحيد المثقل بالهموم.

لم يرتق اجتماعيا ولم يتمكن من الإقامة في حي ومسكن راقيين، لكنه وجد نفسه أمام صعقات ولع أحيت أوصاله تماما. لا يمكن له أن يعيش هذا الإحساس في مكان آخر مهما بلغ رقيه. لقد اختفى كرسي الحمام تحت امتياز اختفاءً مريباً. انتفض على واقعه المهموم وحملق بعينين واسعتين في جلوس لم يصادف مثيله أبدا. امتياز مُحْكِمَة على طرف جلابيتها ما بين سمانة ساقها وأول فخذها... ويدها ذات الأصابع المكتنزة المبرومة قابضة بعنفوان أنثوي على يد (الهون) الذي تهوي به فيرتج كل هذا الجسد تباعاً في ارتدادات تُسلِم بعضها إلى بعض ابتداءً من ساعدها فصدرها فبطنها فجذعها فساقيها .. لتستقر في نهاية المطاف إلى بلاط الصالة تحول طنين الدقات إلى موسيقى دافئة وكأن السارد جالس يستمتع بعرض لوحات فنية جذابة ومغرية. انتعشت كل أعضاء جسمه عندما رفعت رأسها و قابلته بابتسامة زادت وجهها ـ المتوقد ـ حُسناً. ارتعد من الداخل بمعنويات الفيلة عندما هَبَّت واقفة حين رأته. ازداد هيجانه الصامت وبلغ مستويات لا توصف عندما أسرعت نحوه بقدمين حافيتين. وهو لا محالة ابن الطبقة الوسطى الملم بسر وجودها، داعبته تراكمات خبرته واستعد لاستقبال فتنة خطو امرأة بقدم حافية.

وقفت امتياز أمامه بجسدها الذي ينز عرقاً تحت جلابيتها التي لم تعد صالحة لستر أي شيء. دخل عالما جديدا وتمنى ديمومته، ديمومة طنين دقات على الهون تليها دقات لهفة على باب شقته. استحضر القيم وحرمات البيوت، ثم طلب منها معتذراً "تلقيمة بن". زادت حركاتها الفنية روعة. خبطت بكفها على لحم صدرها ثم أشارت بسبابتها إلى عينها "من عيني .. حاضر". اشتعلت نار الولع في صدره ومنتصف جسمه عندما استدارت تخطو بقدميها الحافيتين خطوات متعجلة نحو المطبخ. لم يستحمل وغادر غالقا باب شقته لكونه شعر أنه لا يتحكم لوحده في المآل. تعمد ترك فراغ تواصلي آملا تحقيق المآل المرغوب.

عادت ولم تجده. عاد مسحورا تائها. نسى كل همومه لتشتد عليه وطأة هم واحد وجديد. عاد إلى سريره وجلس على طرف السرير بلا حركة منذ نزوله من شقة الست. غاص في سهاد عميق لا يخالجه إلا صورتها ومشيتها وعرق جسدها. تحولت حياته سعادة في لحظات. تمدد جسده على السرير. استسلم لكل شيء بلا قيد أو شرط، فغفا. تذكر معشوقته وهي تهويه بورقة من الكرتون لتلطيف لفحات أغسطس. داهمته رائحة البن المعطرة من الدكان المجاور. عاش ذكريات مشابهة لقصة روميو وجول

ييت. معشوقته ليست هنا. ومنظر امتياز ولحظات تأمله بنعومةعارمة جعلاه في حيص بيص. إنه في وضعية لا تحتمل. مثانته ستنفجر خلال دقيقة أو دقيقتين .. نسى قضية المثانة وانجذب إلى طرقات لحوحة على الباب يبدو له من وقعها أنها لم تكن لأول مرة .. كانت الست امتياز تكررت في حياته عيشة الكرماء التي يعتبرها تجاوزت عيشة الأمراء متعة. أمامه عالم البهاء من جديد.

امتياز تسد ضلفة الباب المفتوحة وبيدها صينية من الألمونيوم، وقد استقر فوقها طبق تراصت به أصابع كفتة الجمبري المحمرة، وبجواره فنجان أبيض برسوم دقيقة لروميو و جوليت، وكنكة نحاسية يتصاعد منها بخار لطيف عَبِقَ برائحة بن ممتزجة برائحة جسدها أطنبت امتياز في دقاتها الطنانة على الهون النحاسي. تحولت الدقات من الهون إلى الباب، فأحدثت سنفونية موسيقية بهية استرجعا بها سويا معنى الحياة في أوساط الطبقات الشعبية.

_______________

5 - مريم زامل

قراءة انطباعية متواضعة في قصة*لفحات أغسطس*

عالجتْ موضوع العلاقات الاجتماعية لدى بعض من سكّان الأحياء القديمة لبعض المدن العربية العريقة في جوّ أغسطس القائظ،فهم يبقون في البيت في فترة بعد منتصف نهاره،يلجؤون للاسترخاء تلمّساً للرطوبة والراحة.

بدأت القصة بالحدث البسيط سماع البطل صوت دقّات الهون المتتالية قادمةً من شقة جارته امتياز التي تعلو شقّته،وسط سيطرة مشاعر الحزن عليه لأمرين ؛ ذكرى تلازمه وتأبى أن تغادر حياته وروحه، زوجته التي لم تكن موجودة بجانبه منذ مدة،فللذكرى خطوات ثقيلة لاتتوقّف. ثم طرقات الهون المتتالية تهرس دماغه ، فلم يعد يحتمل فوجد أنّ عليه أن يصعد قاصداً جارته في محاولةٍ لينهي أمر طرقات الهون الثقيلة بطريقة أو بأخرى.

وصفه وهو يمسك بالخشب فوق درابزين الدرج ذي القضبان المعدنية،حين يصل للأعلى يجد باب شقّتها مفتوحاً في هذا الجوّ القائظ.وصف تفاصيل المكان الصالة والنقش على الغطاء الممدود،والجارة امتياز ذات القوام المكتنز تجلس على كرسيّ صغير لم يبدُ منه شيء تحتها،تدقّ بالهون فيرتجّ جسدها باهتزازات متتابعة،يثيره جسدها وحركاتها الأنثوية وابتسامتها التي تزيد وجهها المتوقّد حسناً.تلجلج في حيرته .. فأخبرها خجِلاً بأنه يريد .. تلقيمة بنّ ، فبادرتْ بتلبية طلبه وأشارت بسبّابتها إلى عينها وقالت : من عيني ..ثم استدارت تخطو متعجلةً نحو المطبخ.

أمّا نزول البطل إلى شقته بعد غيابها كي تحضر طلبه فتخطّاه الكاتب ولم يأتِ على ذِكره تاركاً أمر استنتاجه لقارئه.تنقّل بين مشهدَي امتياز التي تنظر إلى شقته من أعلى الدرج حيث بابها موصَد،ووصولِه واسترخائه متابعاً خيال زوجته التي كانت في ما مضى تجالسه وتحرّك الهواء قربه بقطعة كرتون كمروحة يدوية، وتساعده كي يعتدل في جلسته،كما وتقدّم له ما يأكله مرفقاً بكأس الماء البارد وفنجان القهوة الأبيض إلى أن غفا.

ثم تنبّه على صوت طرقات على الباب متتابعة،تطالعه هناك امتياز وهي تحمل له طبقاً يحوي كفتة الجمبري المحمّرة،وفنجان قهوة إلى جانبه دلّة القهوة النحاسية يتصاعد منها عبق القهوة الساخنة وبخارها.

تنتهي القصة هنا في أوج الحدث.وللقارئ أن يتخيّل كيف سيتصرّف بطل القصة أمام المعروف الذي قدّمته امتياز ، وكان قبل مدة قصيرة منزعجاً منها أشدّ انزعاج لأنها أقلقتْ راحته بطرقِها في الهون، وموقفها منه بعد ذلك بما صنعتْ وقدّمت له ، وهو الوحيد المنعزل بوحشته منذ أن فقد زوجته.

حالة البطل النفسية من فقدٍ وانعزال ووحشة وحاجة لرفقة تؤنسه أخذتْ نصيبها من نسج الكاتب فصوّرها بأسلوبه.فقدُه زوجته التي كانت تعامله بحنوّ أدّى لانعزاله ووحشته وحزنه ، والآن وجد طلبه مجاباً على يد جارته امتياز تلك المرأة المرحة ذات المظهر المحبّب والتي كان قبل مدّة ضائق الصدر حيال سلوكها المزعج ربما بلا قصد أو انتباه.

_______________

6 - جاسم السماري

لفحات اغسطس

اختيار اسم القصة الشهر الثامن وعلى معروف جدا لدى الكثير وخاصة الذين يعيشون اجواءه الحارة والملهبة ولى ما اعتقد يقصد به شهر اب وكما هو المثل الدارج شهر اب اللهاب .....

بين الوحدة التي يعيشها الانسان خاصة في عمرمعين يحتاج الى السكينة والهدوء وخاصة عندما يكون وحيدا بين جدران اربع والعيش في الشقق لابد من مراعاة الاخرين وحسن فعل عندما ربط معاناة الانسان ومدى تأثير فكره وهمومه وبين ضربات الهون يحتاج الانسان في عمر معين الى الراحة والسكينة وخاصة اذا كان يعاني الوحدة والوجد بفقد الزوجة ....

اسهب كثيرا في الوصف اكثر من الحدث واعتمد بقراءة الحالة النفسية ومعاناة الوحدة عندما وصل الى مرحلة عدم الاحتمال ومعاتبة السيدة امتياز للكف عن احداث هذه الضوضاء المستمرة وعندما شاهد ايضا هذه المرأة تقتل ذلك الفراغ بمماسة ضربات الهون واصفا صعوده السلم حتى نزوله....

الايقاع للقصة كان سريعا والمكان يبدو ان الشخص يعاني من الوحدة ويمر بحالة نفسية عصيبة!!

المكان يشر للاطمئنان لكن البطل لم يشعر بذلك ابدا استطاع الكاتب ان يصور لنا الحالةالنفسية التي يمربها لشخصية البطل ومدى ردةفعله لمشاهدة امتياز وجمالها وتفاصيل مفاتنها الارتباك الواضح جعل منه ان يغير رأيه فيما جاء من اجله ...تركها ورجع بقيت صورتها اعادت به الى الماضي صورة ( الزوجة والحبيبة ) ولم يشر لها ولو اشارات بسيطة بل تركها من الوضح جدا من خلال رمز وميو وجلوليت يجتر الماضي الذي كان يعيشه وبين ما الت اليه الظروف التي يمر بها ...ترك النهاية لم يطلعنا بشكل مباشر او ايحاء وربط بين فنجان القهوة الذي رسمت عليه صورة وميو وجوليت كذلك تطرق الى عدم مراعاة الاخرين من خلال التصرف بشكل غير لائق الذين يقطنون الشقق ..

استطاع الكاتب ان يحاكي المتلقي حول ثيمة الفقد

بين شخصيتين كل منهما يعاني الوحدة وحسن فعل عندما جاءته بنفس الفنجان الذي رسم صورة رميو وجوليت بالرغم من كل الاغراءات التي شاهدها على الست امتياز الا انه لم يتجاوز حدود الادب ومراعاة حرمة الاخرين

اشار الكاتب الى الوحدة ومعاناتها !! يبدوا ان السيدة امتياز ايضا تعاني الوحدة فهي تقتل وحدتها بالضرب على الهون بالرغم من حرارة الجو

القصة نفسية وحوار ذاتي اذ لم تكن هنالك شخصيات ثانوية !!

سوى شخصية( امتياز ) ، وكلاهما يمران بنفس المشكلة وكل يعاني من الوجد لغقد الطرف الاخر ربما طرقات الهون كانت ثمثل طرقات الحياة ومدى تحمل الانسان لها !!

هل استطاع الشخص ان يتغلب على وحدته باجترار الايام الخوالي عندما كانت هنالك من تشاركه في الحياة !!

القصص النفسية احيانا تعبر عن ذات الشخص او عن حالة معينة لذلك كان الحوار بينه وبين ماضيه المفقود وحاضره البائس ومدى وصول حالته النفسية الى هذا الانكسار !!

لكنه بقي متماسكا محافظا على قيمه واخلاقه!!

رغم كل الاغراء الذي وجده في امتياز وكبح جماحه !!

كل التوفيق للكاتب اسلوب سلس ووصف دقيق بين جارين يمران بظروف متشابهة لكن يختلفان في التفكير

فقط لي ملاحظة وجود بعص المفردات العامية اذا تم حذفها سوف لاثؤثر على القصة واقحام هذه المفردات قد لايفهما الاخرون رغم استخدامه للكثير من المفردات ذات لغة رصينة وجميله تمنياتي للقاص بالنجاح والموفقية

_______________

7 - كريم جبار الناصري

قراءة في قصة ( لفحات أغسطس) للقاص سيف بدوي..

كريم جبار الناصري – بغداد

من عنونة النص يحلينا العنوان إلى تأويلات منها إلى ماهية الطقس وتأثيره على الإنسان ومنها لفحات ربما قد تكون في الذاكرة ومنها قد تكون لفحات رومانسية ..وهاهو سيسرد لنا القاص في بداية متن النص لأول أشارة ( دماغه ثقيلة ثقل ذلك ( الهون ) النحاسي التي لم تكف جارته ...) إذا أحالنا الى العلاقة بين رجل وامرأة ولم نعرف ماهيتهما الى ندخل متاهات السرد الذي نحس بلذة المتابعة واكتشاف دلالته (عليه إذن أن يتخلص من طرقات ( الهون ) في جمجمته أولا ...) ومن خلال المتابعة نعرف أن شخصية القصة رجل كبير يعيش في حي شعبي وأرمل ( كان حزينا ..وحيدا ..وجائعا ..انفردت به ذكريات تلك الأيام حين يتململ من نومه العصا ري فيجدها جالسة بجواره ...) وهذه أشارة الى زوجته الراحلة الذي كانا يتسامران سوية في عصا ري تلك الأيام ..ونرجع الى جارته بعد إن اصعد أليها

ليضع حدا لذلك الهون وهو الرجل العجوز كما يصف السرد حالته بالتشبث بالسرير ((..بعود الخشب الذي يكتسي به الدرابزين المعدني للدرج ...)) كان جل تفكيره التخلص من الهون ولربما صاحبته الست ( امتياز ) ولكن انقلبت القاعدة حين رأى ست (امتياز) كذلك هي الوحيدة وهنا يصف القاص المشهد رؤيا ايروسية دون المباشرة والتقريرية في السرد فيلمح . (( وقد اختفى كرسي الحمام تحتها اختفاء مريبا ..محكمة على طرف جلابيتها مابين سمانة ساقها وأول فخذها ...)) وزاد هذا المشهد بالوصف التالي (( ..أسرعت نحوه بقدمين حافيتين مستقدتين ، أما هو – والذي خبر فتنة خطو امرأة بقدم حافية - ...)) وأحيانا يشير علماء النفس الى الرموز الذكورية وكبتها أمام هذه المواقف فالكاتب خبر هذا المفهوم ويصف حال البطل ب (( ..ولم يبق سوى هو و(الهون) الذي يستقر منتصف الصالة صامتا ثقيلا )) ..يرجع ويغف ويفيق ..((على رائحة البن التي تتماوج من دكان " إبراهيم الجمل " ..)) ويستذكر الزوجة كما العصاري التي مرت والغير موجود رغم احتياجه لها كامرأة وخاصة بعد موقفه من الست امتياز (( يدرك أنها ليست هنا ، وان مثانته ستنفجر خلال دقيقة أو دقيتين ...نحو الحمام ..ليفك حسرته لكنه لم يفعل ..)) فالموقف تغير وإذا بالست امتياز أمام بابه (( ..وبيدها صينية من الألمنيوم وقد استقر فوقها ...يتصاعد منها بخار لطيف عبق برائحة جسدها .)) وهنا بانت لنا لفحات أغسطس في رغبات للفحات الجسد مابين الرجل والست امتياز وهذه حاجات لابد منها وخاصة لشخصيين وحيدين رغم إن القاص لم يعط نهاية حتمية لهذه العلاقة إن كانت شرعية أو غير ذلك برغم إعطاء إشارة في تشابه فنجان القهوة عند تقديم زوجته (( انفردت به ذكريات تلك الأيام ... وعلى صينية ألمونيوم يقف منتصبا كوب الماء وبجواره قهوته المرة في الفنجان الأبيض برسمة دقيقة لروميوا وجوليت ..) وعند تقديم الست ( امتياز ) .(( كانت ست امتياز تسد ضلفة الباب وبيدها صينية من الألمنيوم ... ، وبجواره فنجان ابيض برسمة دقيقة لروميو وجوليت...)) .. أخيرا نستقرأ إن القصة نص مرمز يؤول الى العلاقات الاجتماعية في وسط الحي الشعبي وما يجول في أعماق الشخصيتين من لفحات تخطو الى إقامة علاقة حميمة .وهذا ما دل عليه في جمل السرد الايروسي الغير مباشر وغير التقريري ... أحيي القاص على جراءة البوح ولذة السرد واللغة السردية الجميلة المتتابعة في تصوير المشاهد ..

_______________

Kinana Eissa   8

مسؤول

يقظة الحواس في نص (لفحات أغسطس)

إنها الحسية و الشبقية والانعطافات الداخلية الذكورية داخل صدر ملتهب أنهكه الحزن وتوسدته الخيبات و تقاذفته الوحدة والعزلة فغدت الأحلام ملاذ سكينته وهدوء نفسه. وإنقاذًا لتأجج رغبة عارمة لاذعة.

في عالم (لفحات أغسطس)، تأخذنا لغة رفيعة المقام، متينة الوقع، شاعرية في بعض المواضع، محددة مقننة في مواضع أخرى، تقودنا نحو تجلي نفسي مبهر لمن يراقب مشاعر الشخصية المهزومة فيفصل أفكارها وانكساراتها في محطات مترابطة، تبدأ بالسارد نفسه ولغة خطابه وتوريطه لقارئه معه ، في رمزية وعي جمعي، يرتبط بالمرئي والمسموع والبصري،ليخلق جسرًا بين قرائه ومتنه، حيث تفصل الأحاسيس والمشاعر فرادى في أنماط ثقافية رمزية تربط الانطباع الأولي، بالتفاصيل الرمزية الخاصة، لثنائية الرجل والمرأة. بين الحلم وللحقيقة، وبين الاشتهاء والتخيل وبين الحلم ورغبات الباطن المضطرب، بين الممكن و الواقع

رموز حضارية سيميائية

استطاع الكاتب ان يخلق مشهدًا استثنائيا بدأ باستهلال متمكن ،مهد فيه لرؤية المراقب الخارجي لنفسه، ولعل ذلك يذكرنا بتداعيات بزوغ أفكار مابعد الحداثة وتآلفها في بدايات (لوحات سيزان) على سبيل المثال، (السارد المطلع على أفكاره الداخلية، على بصيرته، هواجسه ثم رغباته بشكل لا مباشر) ومن خلالها خلق تجانس حسي لوني، يخلق الدلالة والمفارقة معًا على سبيل المثال:

روميو وجولييت وفنجان القهوة

تسويق فكرة الحب العذري الرقيق الذي ينتهي بفناء الذات مقابل شبقية السارد الداخلية في وعي شمولي جمعي .

الهاون رمز أنثوي مختلف ورمز جنساني أيضًا

يرتبط الهاون بعالم المرأة ( الحسي ومفاهيم الأمومة والأنوثة البدائية ) يبدأ كطقس يرتبط بدور المرأة الراعية بتقديم الطعام والرعاية والحنو والإشباع، ومن ثمة (الاحتواء) ومن ناحية ثانية يتناول الرمزَ الفعل الديناميكي لمفهوم التواصل الجسدي الذي تبدأه المرأة غواية أمام الرجل (الكائن البصري الشديد اليقظة بحواسه وتوقه ورغبته الجنسية وخيبته الداخلية)

وعندما يصمت الهاون يسود فضاء السرد هدوء ما قبل العاصفة الداخلي، فالهاون امتداد لجسد المرأة وحضورها وجمالها كما ورد في النص :

ويدها ذات الأصابع المكتنزة المبرومة قابضة بعنفوان أنثوي على يد (الهون) الذي تهوي به فيرتج كل هذا الجسد تباعاً في ارتدادات

لغة الجسد الصامتة من منطلق الذكورة

اعتمد الكاتب لغة التفاصيل الأنثوية المدوّية، القابعة في الباطن الملتهب بالرغبة والتي يؤججها حضور جسد (امتياز) وسلوكها المثير المطابق لتخيلات السارد، حيث يطفو اللاشعور ويتلبس وعيه ، الأقدام الحافية، الليونة والرشاقة و السلوك الأنثوي المثير للحواس ، انحناءات الجسد وتضاريسه، بما خفي وبما ظهر منه

وكما ورد في النص:

أما هو – والذي خَبِرَ فتنة خطو امرأة بقدم حافية - كان قد أُسقط في يديه حين استقرت أمامه بجسدها الذي ينز عرقاً تحت جلابيتها التي لم تعد صالحة لستر أي شيء !

فخبطت بكفها على لحم صدرها ثم أشارت بسبابتها إلى عينها ( من عيني .. حاضر )

تصوير الواقع بعدسة لامرئية

برع الكاتب بخلق مشهدية زمكانية غامضة، تحنط وعي القارئ في وعي السارد، حيث الحدث العائم حسي بظاهره ونفسي في عمقه، وغني بدلالاته.

ينبثق من بيئة شعبية متواضعة، تظهر شظف العيش وقسوته، وطبيعة الحياة اليومية في حقبة زمنية مبهمة لا تتعدى قيظ شهر أغسطس الحارق والذي التصق بدلالة المشهد الحميمي وتفاصيله.

وحركات الجارة (امتياز)، باسمها القصدي الرمزي، المغوية جسدًا والطاغية أنوثةً والتي تبادل السارد، مشاعره المتحولة في تقلب بين الكتمان و الإفصاح وبين الإقبال والإدبار وبين الحلم والواقع وبين رائحة القهوة الطازجة والجوع لكل شيء

فينسى سبب صعوده لجارته ويقع في فخ أنوثتها المتوحشة التي تلاحقه

وكما ورد في النص :

كسرة الخبز الناشف ، المبلول بالماء ، وقد (حَنَّته ) بطبقة رقيقة من الجبن الأبيض المالح

رائحة البن التي تتماوج من دكان "ابراهيم الجمل"

بدُرج التسريحة الذي صار من الصعب إغلاقه منذ سنوات .. ونهض .

تأتي الخاتمة بإشباع لوني متكامل فصّل على قياس حلم السارد الفقير واحتراقاته التي يدركها جيدًا والتي استقى العنوان توهجه منها،فامتياز أن تطرق على بابه، الجارة (امتياز) بكل إغوائها و أنوثتها، لتبادله اللهفة والاهتمام، فتوقظه من نومه وهي التي تحتل أحلامه ولهفته، فتشبع حواسه الملتهبة دفعة واحدة، بطعامه المفضل وقهوته الساخنة وفنجان روميو وجولييت المبشر بقصة حب قادمة ، لتنزع الغلالة الرقيقة بين عالم الواقع والحلم بطرقات يدها المهيمنة على وعيه،فتوقظ المتلقي أولًا قبل السارد الذي سيحترق وحيدًا بلفحات (السيدة امتياز الجميلة) ، قبل لفحات أغسطس.

إبداع... فذ..

_______________

9 - صديقة علي

مسؤول

 أهم من عرفنا بالحارة الشعبية المصرية، بشخوصها،منازلها ، محلاتها، ومشاكلها،وصراعات التلاحم والازدحام العمراني وأثره على سلوك البشر هو الكاتب الكبير نجيب محفوظ.

وهنا يبدع الكاتب بتميز بتوظيفها وتقديمها لنا؛ ليشرح بعمق الحالة النفسية والاجتماعية لشخوص نصه .

إذاً:

كيف يكون الأديب مؤدبا ومهذبا ورصينا ليوصل ما يريده للقراء!

كيف يستخدم الكاتب الجغرافيا وأثاث المنزل وميزة وموقع الشهر من السنة للتعبير عن الحالة النفسية والجسدية والضعف الإنساني وحتى العمرية لشخوصه! فيبني مشهدا صامتا ينطق بكل شيء.

هو أغسطس : آب اللهاب آخر شهور الصيف يليه خريف وهل كان إلا آخر صهيد الاحتياج

هو "هون" يدق فوق رأسه بينما في خلاياه تمشي ذكرى تجعل سريره صهيدا

هي تسريحة " أظنها درج "مفتوحة منذ زمن، وقد تكون فقدت صلاحية أن تغلق بفقدان سيدة البيت "الهنية".

فناجين قهوة ،روميو وجولييت وحُب وكأس بارد.

كلها تفاصيل وصفية حارّة موظفة بامتياز، يتوارى خلفها عالما من الاشتهاء،الرغبة،الوحدة، والحزن والفقد

كيف يخلق الكاتب صراعا خفيا وحلا واضحا لا يكاد يلحظ بكلمات؛ بل بخيال القارئ، لو تم التصريح بها بفجاجة لفقد النص ميزته الأدبية العالية !.

هنا في لفحات أغسطس كل الأجوبة وحركة المعنى تدور في مشهدية سينمائية عالية الدقة وفي فكر المتلقي.

تحيتي وتقديري العالي للإبداع

_______________

10 - يوسف أحمد حامد

من انواع القصة القصيرة، القصة الاسكتش، اللوحة، حيث لا حدث يتطور ولا شخصيات تنمو، فقط لوحة، لا ترسم الملامح الجسدية أو الصفات الشخصية، لكن ترصد المشاعر بهدوء وحياد، تحكي القصة بسلاسة وتدفق عن شخص وحيد وحزين، وبتكنيك جبل الجليد، حيث تقول عنه القصة القليل، وتدع المخفي لتفكير وتخيل القاريء، في البداية(تلك الذكرى التي تتسكع في داخل روحه بخطواتها الثقيلة )،وفي مقطع تالي( انفردت به ذكريات تلك الأيام حين كان يتململ في نومة العصاري فيجدها جالسة بجواره )،ثم في مقطع آخر( يدرك أنها ليست هنا )،.رجل وحيد في سن التقاعد فقد زوجته، والأبناء انشغلوا بحياتهم، كما يحدث احيانا، فبقي أسير الوحدة والحزن، وشعور بالملل والغراغ، والجارة صاحبة الهون، والتي ربما في ظروف مشابهة، تاجج مشاعره للصحبة والونس، أكثر منها مطالب جسدية وان كان اقتحمها بنظراته، والتي لا تتناسب مع سنوات عمره ولا حالته الصحية،.وصف الكاتب المكان..الغرفة..السلم..شقة الجارة بدقة وبتفاصيل صغيرة خلفية مكملة للوحته البديعة. والزمان الخاص ساعة العصر في شهر أغسطس المعبر عن أجواء النص الممتع لكاتب متميز


_______________ 

11 - مها السيد الخواجه

ربما لأول وهلة يتراءى لنا من قراءة القصة أنها تحكي حدثا واقعيا قد حدث مع الشخصية بطل القصة، ولكني هنا أجد أن الكاتب قد وضع كل الظروف والأسباب التي تدفعني للبحث وراء نفسية وعمق الشخصية وما هو وراء أفكاره ومعاناته أو ما يعتمل في ذاته .. بداية من العنوان (لفحات أغسطس) وما نعيه من سخونة هذا الشهر من شهور فصل الصيف، وهنا حيث بطل القصة نائما تداهمه ذكرياته التي تطرق عقله، وتزاحمها تلك الدقات العنيفة الآتيه من الواقع (دقات الهون) فتئن روحه داخله من وطأة هذه الدقات، حاله بين النوم واليقظة يدفعه بقوة لإيقاف تلك الدقات فيتخذ قراره بالتصدي لها، عند قيامه يتشبث بدرج التسريحة المفتوح والذي قد تيبس هكذا منذ زمن في إشارة من الكاتب لكبر سن هذا الرجل الذي قد تكون مفاصله تيبست مثل هذا الدرج، ويظهر ذلك التقدم في السن أيضًا في تشبثه بدرابزين السلم للصعود، يظهر لنا الكاتب نفسية الرجل وتحفزه لمواجهة جارته الست (امتياز) التي سنعرف أن اسمها هذا جاء مناسبا جدا لها من وصف الكاتب لصفاتها الجسدية فهي سيدة ممتلئة الجسم مكتنزة وتلك الصفات كانت سمات الجمال في وقت ما .. عند الصعود لشقتها ورؤيته لها على هذا الحال وهي جالسة على الكرسي الصغير ممسكة بيد الهون لدق كفتة الجمبري ومشاهدته لتفاصيلها الجسدية الأنثوية، تنتابه رجفة وتجتاحه مشاعر كثيرة، إذ كيف يبرر صعوده وكشف ستر جارته في هذا الوقت؟ وقد حدده الكاتب هنا بوقت العصرية وهو وقت القيلولة والراحة وفيه يتخفف الناس من ملابسهم خاصة في هذا الجو الحار .. الأمر الذي جعله يتذرع بأي حجة، فطلب تلقيمة بن .. وقد وصف لنا الكاتب وصفا دقيقا لحركة الجارة وكلامها في استقباله وما فعله به مشيها حافية على أرضية الشقة وما اعتمل في نفسه من مشاعر فتحين دخولها لتلبية طلبه وفر هاربا إلى شقته تصاحبه صورتها وحالها التي رآها عليها .. هذا الرجل والذي نعرف من القصة أنه يسكن منطقة العطارين، تداعب انفه روائح العطارة والبن المحمص المطحون، فتأخذه تلك الروائح مع حزنه وجوعه

لذكرياته مع زوجته التي رحلت، فيسترجع وجودها بجانبه وترويحها عن نفسه في هذا الوقت بتخفيف الحر عنه بالتهوية بقطعة من الكرتون وتحضيرها كسرة الخبز بالجبن وفنجان القهوة وذلك الكوب المنتصب الممتلئ بالماء البارد ولعلي هنا أري إشارة ما لحاله وحالته .. بين واقع وشبيه حلم تعود الطرقات الملحة لتنبهه فيستيقظ على إثر تلك الدقات محصورا بمثانته الممتلئة، ليجد جارته قد احضرت له طبقا من اصابع كفتة الجمبري المحمرة، وفنجان القهوة الممتزج رائحته برائحة عرقها، وقد جاءت هذه الجملة في قمة الروعة والتوفيق في إشارة لنَفَس المرأة لتنهي معاناة يومه وتحقق ولو جزء بسيط من راحة تمناها .. في رؤية وقراءة للقصة أري أن الكاتب وهو يقص علينا حدثه، يوثق لمدينته (محافظة دمياط) في زمن ماض وقد وضع إشارات هذا الزمن .. الهون النحاسي، درابزين السلم الحديد والخشب، المشمع المفروش على الأرض برسومه، وصفه لسوق العطارين والمعروف بهذه المحافظة، فنجان القهوة المرسوم عليه روميو وجولييت، الخبز الناشف المبلول وكلمتة"حنته" أي دهنته بالجبن .. كفتة الجمبري ودقها بالهون .. تحياتي للكاتب ونصه الرائع المعبر ..

_______________

12 - عبد الحميد ناصف

بامتياز رسم لنا الأستاذ سيف بدوى أحداث

لفحة من لفحات اغسطس، و هى لفحة غزيرة المفردات والصور الجميلة كما هى غزيرة العرق فاظهر لنا خلجات مشاعره ومشاعر الست امتياز بدقة شديده، بل صور الست بجلستها وكل تفاصيلها المغرية المستفذة لرغبات مكبوته، حتى الذكرى والرغبة التى لم يفصح عنها فى البداية أظهرها فى طلبه تلقيمة بن وانصرافه ...إلى أن تلاقت الرغبتان عند وقوفها حاملة كفتة الجمبرى وذاك الفنجان ..

شكرا للكاتب سيف بدوى على ما امتعنا به

من جميل ما كتب أسلوبا وتشويقا رغم لفحة اغسطس التى أظهرت مفاتن الجسد وعمق الذكري ومقارنة لم يبح بنتيجتها إلي أيهما يميل ... فأنها قصته بامتياز ...وهى تقف حاملة صينيتها....

كل التحايا للقديرة منال خطاب

ومن اختار معها هذه البسيطه

_______________

13 – عبد المالك حزام

ونفحات...

بعمارة ذات طوابق، يقطنها أناس من مختلف الطبقات، حيّ شعبيّ، تفوح منه رائحة القهوة، وتوابل العطارين الضيّقة كعلب الكبريت، وفي شهر أغسطس، حين القيلولة، يسمع رجل وحيد

طرقات هون نحاسي، فيحسّ بها، وكانّها تدقّ في تلافبف دماغه.

يصعد متكاسلا، لردع مصدر الضرب، يجد الباب مفتوحاً...

امرأة تقطن وحدها فاتحة بابها في عزّ الظهيرة.. فهل هو الحرّ الذي دفعها إلى ذلك ؟ام هو الشبق والشوق ؟

لنفترض الأفضل مادام الزمن نهارا!؟

السيّد يرى مؤخّرتها تغطّي (الطابوري)وصدرها يهتزّ، ويدها تمسك على يد الهون..

فهل تخيّل صاحبنا عضوه بيدها؟

لننف هذا التصوّر..فلا أحد يستطيع الولوج إلى دماغه..

يطلب منها بنًّا..تقوم حافية..يسلبه قوامها... ينسحب..يتمدد على سريره..يغفو..يستيظ ومثانته على وشك الانفجار...

من البول ؟

لا أظن ذلك..

الرجل مكبوت رغم أنه كان ذا زوج...

وهذه هي مشكلة المواطن في العالم الثالث..

وقد عالجتها القصة كما ينبغي..

_______________

14 - ثائر البياتي

قراءة لقصة (لفحات أغسطس) للقاص (سيف بدوي) ..

بدءا، البطل نموذج للأنسان المسحوق المهمش، الذي توالت عليه الخطوب، معتل الصحة، وحيد، فقير الحال، لم يستطع تخطي ألم فقد زوجته الصالحة، يعاني من ذكراها المزمنة.. رأيت أن طرقات(الهون)، التي أزعجت و أغاضت البطل، حد إنه كان ينوي ارتكاب جريمة؛ هي جرس منبه، لإمكانية بدء حياة جديدة، مع امرأة أخرى، وقد تكون وحدته، جعلت منه حساسا أكثر من الطبيعي، فقد لا تكون الطرقات بهذا السوء، لكن حساسيته المفرطة؛ ضخمت الأمر، وقد أوحى لنا القاص، امكانية البدء من جديد، في حياة جديدة، مع امرأة أخرى، فهذه الامرأة، هي أيضا وحيدة، وفقيرة حال، ويبدو إنها تعتاش على تصنيع الطعام، وبيعه، وإلا لما تواصل طرقها للهون، وهي أيضا بحاجة لأنيس، وبحاجة لإرواء عاطفتها، فهي ملائمة لحال البطل، وظروفهما المتقاربة؛ ستجعل التفاهم بينهما يسيرا، وهذا أساس نجاح أية علاقة أنسانية، فرؤية البطل لجارته، حركت خياله، وداعبت عواطفه، كما فعلت رؤية الجارة له، والدليل؛ إنها أحسنت استقباله، وحين أخذه الحياء وعاد لشقته؛ بادرت هي، بالتودد اليه، والتقرب منه.. وقد أحسن القاص، بأن ترك النهاية مفتوحة، ليحث القاريء على التفاعل، وعلى وضع نهاية، كل حسب تفاعله، وتأثره، وتصوراته.. بوركت صديقي استاذ(سيف بدوي)، ودوام الأبداع، وشكرا واحتنا العامرة، وتحية للأساتذة القائمين على الواحة…

_______________

Souleiman Joumaa  15

عندما اخترت البنية المعرفية كنت اختار اللغة والتراث والانتماء اليهما

..ففيهما ما اضاف الفكر العربي من وجدانه وبلاغته واجتماعه وفلسفته الى الوجود اللغوي ..ونحن نأخذ هذه البنى نسكبها في مجرى نهر تفكيرنا ونضيف ايضا...فبها نشكل حركة الحياة للفكرة او الظاهرة التي نريد ان تقف منها رؤيتنا الى عالمنا اليوم.

فما اسهل ان نستنطق ما هو من نسغ روحنا وذاتنا الجمعية ..

الهون آلة يدوية لهبد الحنظل او الثوم او .او .وله يد .وهو اشبه بالجرن الذي نعجن فيه الكبة النية ..وكذلك المهباج لهبد القهوة ويماثلهما المكحلة والميل في وضع الاثمد الاسود على الجفون للزينة ..

فكلها تصلح ان تكون ادوات كنائية لايروتيك من غير الافصاح الفج والمباشر .. فهل اوحى النص بذلك

قد كان ولم يكن ..غافيا وصاحيا ..

والبنية الاخرى صهد آب ..ولفحه هل كان من خارج وداخل فالتقى الهاون بين الصدى والصوت ..ولكن لفح يكون من خارج ولا تأثير له كثيرا كمن وقف على بابها فاستذكر الجيرة والاخلاق ..فامتنع ولكنه راى ولم ير..

لنلحظ ان المشهد اولا كان داخليا مغلقا ..في غرفته على سريره بابه مغلق ..الهبد من فوقه يصل اليه ضجيجا كذكرى خطواتها ثقيلة في داخل روحه.. ترجه رجا اعنف من الهاون ..

والعمر كذلك ياتي اليه ذكرى ايام كانت زوجه تسندها ليقوم الى طعامه والى رمي حسرته ..بكل تؤدة ورفق ..

داخل عمره ..فالتسريحة لا تنغلق لقدمها لكثرة ما استعملت ..

ثقل عليه المشهد فقرر ان يخرج من داخله ..فنزل عن سريره

غادر استلقاءه

الى مشهد خارجي سنرى فيه كل شيء متفتح على شهيات العمر ..استعان بالدرابزين ليصعد ..وجد باب جارته التي وصل ضجيجها اليه قبلها من خلال هبدها للسمك او لاي شيء ومن خلال ان يكون لم يغف فيه كنايات الهاون والميل والمكحلة ..فصحت وثم غفت..

ولكن رأى ما تصور وغض ..اشتهى واستحى .. تجلجل وتلعثم .. جسدها لا يستره جلابية لم تعد تستر .حافية القدميين بلا ضجيج كما هدأ الهون وهو مستقر في وسط الغرفة مع الورد الاحمر ..

كلها بنى توحي بعودة الرغبة وثم تغادر ..تنفتح وتنغلق..غادر بعد ان انفتح ليعود الى غرفته بلا طلبه ..تلقيمة قهوة ..

وجلس على سريره..

لم تتأخر اتت اليه تحمل طعاما اعدتها مع القهوة مهيلة بعرقها الانثوي

تشبه روائح تأتي اليه من السوق الذي يسكنه ..دخلت ..

الحركة التي غادرت داخله الى الخارج

استدعاها ضجيج الجارة الانثى الذي تماهى قليلا مع ايروتيك الهاون الذي كانت الذكرى تؤرقه .. انفتح يرسم القبول ثم الرفض ثم الهدوء ..

ماكان يحاصر الشخصية عمره وتقدمه في السن وتركه كتلة ما زالت الذكرى تؤجج لهيبه..وحيويته ..الضجيج في الخارج وهو لا لايشارك فيه ..وحيدا غادره الانيس ..فهو يطلبه ..فخرج اليه .. استدعاه ..فجاء اليه..

ان النص في حركته اقترح المشاركة والانيس ونفى ما نفاه العمر من ايروتيك يكتفي برائحة عرقه وقهوته.

انما الصحبة والالفة لا صهد من بعيد يحرقه وهبد يهرس مخه. ولا ذكريات تدك روحه..

اذن،

ان النافذة هي الخروج من الوحدة الى الناس ..ليقنع الذكرى بالسكينة والهدوء ..وليقنع الجسد بهيبة العمر ..

روميو وجوليت اصبح جلساء على حفلة قهوة..صورة للذكرى وما اجمل عذريتهما ولكن لن ننتحر معا ..ولكن نجلس معا نحتسي ما تبقى من سنين ..برائحة الحي المضمخ بتوابل الالفة ..

بذلك اي بخروجه حقق سلامه فاستدعى ما اهدأه واسكنه ..واشعره انه ليس وحيدا ..من الممكن ان يجد إلفا..

سليمان جمعة

_______________

16 - علي بنساعود

نص جميل ممتع بنكهة محلية خصبة، أنهيت قراءته و"بقي في نفسي شيء من "الست امتياز" و"لفحات أغسطس". والأجمل هو أن النص أشرع أمامي/نا أبواب المشاركة في كتابته وتخيل كل النهايات/ الاحتمالات البريئة والآثمة...

هنيئا للمبدع بهذا النص الباذخ، وشكرا للأستاذة منال و"للواحة" وقيدومها "الأستاذ محسن الطوخي" على هذه الوجبات الأدبية/النقدية الدسمة التي تدعونا إليها كل شهر...

_______________

Jamal Alkhatib  17

قرأت النص بشيء من المتعة، فقد ذكرني بتلك القصص القصيرة للرعيل الأول من أدباء مصر ..ذلك الوصف الدقيق للمشهد القصير أو الفكرة.

أثر الطرق فوق رأسه ..تزاحم أفكاره ..صعوده الدرج ..مرآى السيدة ووصف هيئتها ..إحساسه وهروبه ونومه وتلك القفلة الرائعة البسيطة لمجتمع بسيط .

النص لقطتان فقط، فيهما كل عناصر القصة وعالم زاخر متحرك دون مواربة أو غموض، وأنت تراه فعلا وتتبعه بتمعن وكأنك تشاهده على التلفاز ، يغلب عليك التوقع وتنتظر .

هذا هو الإرث المصري الروائي والسينمائي الحقيقي الذي شكل العقلية العربية ردحا من الزمن .

‏هو نفسه الذي رأيناه في قصص محفوظ ومحمد عبد الحليم عبدالله وغيرهما ..وهي بيئة المدينة ، حياة الناس في البنايات متعددة الطوابق او الحارة العادية، التي عكستها الأفلام المصرية فيما بعد .

‏هذا إبداع على بساطة الفكرة ، فقد صنع الكاتب منها حكاية ملفتة للنظر ومليئة بالتشويق .

‏كنت أتوقع أن يعبر باب الشقة او شيء من هذا القبيل ، الا أن القاص حرك المشهد باتجاه أروع وأجمل وعكس الصورة التي أحبها لطبيعتنا العادية البسيطة ..كما يجب أن تكون .

‏دام الجمال .

_______________

18 - مهدي الجابري

هنيئا للكاتب على هذا التصوير الجميل بدون تكلف اختار من الوصف اجمله ومن الكلمات اروعها واختارة من التراث ( الهاون) كما نسميه في العراق

اختاره البيئة المحلية لبلده، اعاد امجاد من سبقوه بكتابة القص والسرد الروائي فكان خير خلف لخير سلف..

لست ناقدا ولكن حينما اهوى نصا اكتب عنه كقارئ ..

شكرا لإدارة الواحة هذا الإختيار وشكرا للمبدعة صاحبة القلب الكبير الاستاذة الاديبة منال خطاب التي لا ترد دعوتها لكننا بعض الاحيان نبتعد عن بعض النصوص لقلة معرفتنا فيها ..

_______________

19 - كريم على الشريف

أشعر أني لم اقرأ منذ وقت ليس بقليل تلك السلاسةوالتي اضافت ولم تضر وجنوحه لاستعمال مفردات البيئة دونما تخصيص او تقويس كان بغاية الروعة وأزيد أن بداخل الاستاذ حس ساخر نحث الخطى وراءه بكل ما نعالج روح خفيفة وحبر واضح وتوليفة بسيطة لطيفة كرائحة البن وقد تضوعت به رائحة ستو امتياز.امتياز جار الست امتياز كسبناك لا شك أحييك مولانا

_______________

Ashor Ahmad  20

أمتازت القصة بسرد رائع وحبكة متقنة ولغة غنية بمفردات وجمل عبرت عن الحدث بإسلوب شائق..لكن في رأيي النهاية لم تكن قوية في مستوى الحدث ولم تحدث أي مفارقة فشعرت وكأن القاص قد استعجل وضع حد القصة..أشكر للقاص ابداعه.

_______________

21 - محمد ابو الفضل سحبان

استمتعت بقراءة النص وبما نثره القراء المبدعون هنا ..لذلك فقراءتي ستحاول أن تلامس باقتضاب جوانب أخرى وتسائل هذه اللفحات الصيفية الرومنسية ( واقصد أنه نص يمكن أن يدرج في خانة الأدب الرومنسي )

لغة درامية جميلة رصينة ونافذة، تأسر القارىء بمشهديتها الحية التي تستفز مشاعره وتثير انفعاله، .. سلاسة في التعبير وعفوية في التفكير وجراة في الطرح، قلم أراه على سجيته يصدح بما لديه ويمضي بنا بدءا من دقات الهون المزعجة التي كانت سببا في لقاء تأكد أنه سيتكرر ويطول من خلال توظيف بارع لتقنية التذكر بعد فقد البطل لرفيقته، وينتهي بنا في كنف جارته " امتياز" بتحفظ شديد من الكاتب لعدم افصاحه عن نوع العلاقة التي ستسد الفراغ الحاصل لدى بطل قصته وتخفف من وطأة الشعور بالحزن والجوع والوحدة .. ملاحظتي أن الحدث في النص ضعيف وبطيء تعوزه الدينامية القادرة على خلق حالة من التشويش والدهشة وهو لا يخرج بنظري عن دائرة الحدث العادي الذي نتداوله في مجمل احاديثنا اليومية، فتور وغموض على مستوى عقدته، سيطرة للوصف على المساحة السردية باسلوب أقرب ما يكون لاسلوب الرواية منه للقصة القصيرة..

تقديري لهذا القلم الجريء.

_______________

Ben Jazia Saïda  22

أمتعتنا القراءة لأننا وجدنا أنفسنا طرفا مقحما في التفاعل لما فعله فينا الهاون وتداعي الذكريات.

سرد سلس تتنامى فيه الحركة النفسية حتى ينقلب الجماد الهاون بطلا أو شخصية من الشخصيات المعرقلة الفاعلة التي تقيم الصراع مع السارد فتقظ مضجعه..

ذكرني أسلوبه الساخر بالكاتب التونسي علي الدوعاجي في بعض نصوصه المحببة إلى قلبي لشعبية لغتها ورسم مشاهدها.

روعة الكلمات و الفكرة تخرج النص عن المعتاد

دام الإبداع والتميز

_______________

23 - فا طمة المالولي

يعد العنوان مفتاحا لبوابة النص، فهو يشد القارى ويثير فضوله حول عوالم النص..

"لفحات أغسطس" عنوان قصة للكاتب سيف بدوي سيشكل محور دراستنا التالية:

يتصدر العنوان من حيث بنيته التركيبية اسم بصيغة الجمع(لفحات) أضيف إليه ما يحدد المعرفة المقصودة لفظة (أغسطس)مؤشر زماني .

أما من حيث الدلالة المعجمية للفظة /لفحات فتعني مايلي:

في معجم الوسيط:لفحته النار أو السموم -لفحا،ولفحانا:أي أصابت وجهه وأحرقته..

في لسان العرب:لفحته النار تلفحه لفحا ولفحانا أصابت وجهه..

في مختار الصحاح:لفحته النار والسموم أي أحرقته..

كما وردت في القرأن الكريم سورة المؤمنون <تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون>..

أما لفظة أغسطس فهو مؤشر زماني، اسم شهر مشتق من لقب الإمبراطور الروماني أوكتافيوس وهو يمثل برج الأسد ..الذي يمثل القوة والنار في ترتيب الأبراج..وهو الشهر الثامن حسب التقويم الغريغوري ويسمى آب في بلاد الشام والعراق ،وغشت في المغرب ..شهر تشتد فيه حرارة الصيف وتبلغ أقصى درجة..

بين لفحات وأغسطس تقاطع من حيث الرمزية إذ كل من اللفظتين يحيل على الحرارة وعدم القدرة على تحمل الاحتراق..

تقول جيرار جنيت بأن العنوان:"مجموعة من العلامات اللسانية..التي يمكن أن توضع على رأس النص لتحدده وتدل على محتواه" وبذلك العنوان قد يمنح النص هويته الحقيقية بإقامة جسر رابط مع عوالم النص، أو قد يكون مخادعا مراوغا لأفق انتظار القارئ..

لفحات أغسطس/ عنوان بعيد على أن يكون مجرد تأنق لغوي لشد القارئ ،إذ فعلا يحيل على أحداث لها إرتباط وثيق برمزيته ..أحداث تتسم بالحرارة والاحتقان إلى درجة عدم التحمل ..فالمؤشرات الزمنية تحيل على فصل الصيف وخاصة وقت الظهيرة حيث تشتد الحرارة وتبلغ أوجها(كانت ساعة العصر قد انقضت)..والمؤشرات المكانية(السرير الذي يبخ صهدا) كما ندرك من خلالها أن البطل يعاني من مشاكل السكن الاجتماعي المشترك وانعدام الراحة..كما تحيل على الحالة الاجتماعية للشخصيات(صالة شبه فارغة) ..

أما بالنسبة للشخصيات التي ساهمت في تطور الوقائع،

نجد الشخصية الأولى ذكر غير مسمى حاضر في النص من خلال صيغة ضمير الغائب/ هو.حزين -وحيد-روحه منكسرة بسبب ذكرى ما..ربما عاطل عن العمل (كان حزينا..وحيدا..وجائعا..انفردت به الذكريات)..وضعية الشخصية تحيل على الاكتواء بنار الوحدة والحزن والذكريات إضاف إلى الوضع الاجتماعي المزري..

الشخصية الثانية أنثى مسماة امتياز.. وامتياز اسم علم مؤنث ،وهو مصدر معناه التفضيل ،التخصص ..أي نعمة خاصة بصاحبها..وإذا حولنا ربط دلة هذا الاسم بما يوحي به وصف هذه الشخصية نجد أنها فعلا أنثى تمتلك من النعم ما أثار حرائق لدى الشخصية الأولى /الجار البائس ..(تجمد أمام باب شقتها المفتوح ،بينما كانت تجلس..وقد اختفى كرسي الحمام تحتها اختفاء مرحبا.. محكمة على طرف جلابيتها ما بين سمانة ساقها وأول فخذها..).

وأخيرا الهون كآلة ساهم بشكل فعال في تطور الأحداث وكان الفتيل الذي أشعل الحرائق وساهم في لفحات أغسطس..فالهون والمدقة من الأدوات التي تستخدم منذ القدم في سحق أوطحن بعض المواد ..وهو وعاء يصنع من الخشب أو الحجر أو معدن النحاس..

(لم يبق سوى هو والهون الذي يستقر في منتصف الصالة صامتا ثقيلا) .

لقد وفق الكاتب في منح القصة شعلة من ايحاءات العنوان إذ تحضر من خلال رمزية ودلالة الزمكان والشخصيات ..كما ساهم تسلسل الأحداث في منح القصة حبكة تشد القارئ وتمنحه متعة القراءة.

_______________

Nora Seddik  24

قرأت النص وأعدت قراءته، نص ماتع للغاية بلغة جميلة حبكها بنسيج تراثي وتراتيل نفسية للإنسان في هذا العصر الذي يعاني فيه الأمرين: صراع مع الحياة وصراعات وسوء تفاهم يختلقها الآخر تجعل حياتنا تشتعل بين النفس الءمارة بالسوء ولفحات الأيام.

قصة ممتعة تقدم مشهدين سينمائية بإيقاع درامي بطلها الرجل المريض المكبوت الممدد على السرير في مشهد داخلي تهتز جمجمته على طرقات الهاون التي تؤلم روحه، لينتقل إلى مشهد خارجي يؤثث باب الست امتياز الذي يلجه ويقف مسمرا أمام إغواء مفاتنها الجاذبة التي أخرست لسانه وأشعلت نارا في دواخله ملتهما إياها بنظراته الزائغة وهو يطارده جسدها ويستلذ بمشيتها ويتنسم من عرقه... هذا التصادم بجسدها المثخن انتقل به إلى مشهد رومانسي إثر غفوة أيقظته رائحة البن الفواحة، وألف نفسه يغوص في معين ذكريات ماضية مع زوجته وهي تلوح عنه لفحات أغسطس اللافحة، يصل ذروته بعد توالي دقات على الباب التي أنسته مثانته التي تنبهه، والتي تلت طرقات الهاون التي تنبت في رأسه أسلاك غضب وتنفخ أوداجه، هذه دقات الست امتياز حنونة مرافقة لنفحات البن التي تحملها في فنجان بن برسوم دقيقة لروميو وجولييت، وكأنها الكاتب يقول أنهما سيغوصان في مثل حب هاتين الأسطورتين دون انتحارهما ...مشكور على الإبداع، وشكر خاص لجنود هذا الحصن الثقافي على حسن الاختيار وعلى المجهودات الجبارة...تحياتي لكم...

______________

25 - صلاح عويسات

قراءة في قصة لفحات أغسطس للكاتب سيف بدوي.

لقد أبدع الكاتب في الوصف وأمتع،وترك مجالا خصبا للخيال ليتجلى، وخاصة عند وصف الجارة إمتياز بمفاتنها،التي جعلت عجوزا طاعنا في السن ينسى الشكوى من ضرب الهاون فوق رأسه،فحوله إلى طلب للبن من جارته الحسناء التي فتحت كل جروحه التي دملتها الأيام،وعاد ليتذكر زوجته وقهوتها،وعنايتها به،فأصابته شهوة الطعام،والشراب التي تصيب العجائز حين فقدهم قدرات أخرى أكثر أهمية،وها هي جارته تنزل له بالطعام والقهوة في الوقت المناسب...سرد سلس جميل ،ولغة سهلة..

بورك إختياركم للقصة وكل الشكر للكاتب الرائع سيف بدوي.

_______________

26 - عبد المجيد أحمد المحمود

نص جميل

نص كتب بريشة الحرف، و بلغة الرسم فكأننا نشاهد لقطة سينمائية تعج بالمشاعر و البث غير المباشر المنتشر عبر التلميح لا التصريح.

نص دافئ فيه دفء الكلمات و دفء المشاعر و دفء الأمكنة، استطاع فيه الكاتب رصد الشخصيات بشكل ناجح خاصة بسماتها النفسية و من ثم الجسدية، كذلك رصد المكان بعين الكاميرا السينمائية، فكان موفقا في تقديم مسرح القصة.

الهون هو من أعاد البطل إلى الحياة، هو من أجرى المشاعر الذكورية مرة أخرى في شرايينه بعد أن ظن أفولها و انتهاءها، فكان لذلك هو الشخصية الثالثة الحاضرة في النص بقوة، و هو ما عوض فقدان تنامي الحدث و الحبكة، إذ كان هو السبب في تعرف البطل الى امتياز، و من ثم ارتداد الحياة في أوصاله الميتة.

الكلمات العامية الواردة في النص كانت جميلة و ربما معبرة تماما عن روح الحدث، صحيح أن استبدالها بكلمات فصحى كان ممكنا، لكنني كقارئ وجدتها هكذا قريبة جدا من روح القصة، من روح اللقطة السينمائية.

لكنني أتساءل لماذا لم يكن العنوان هو( لفحات آب)؟

إذ هي بداية كلمة عربية، و هي أكثر تعبيرا عن الجو السائد في هذا الشهر في بلادنا العربية، أما أغسطس فهذه الكلمة اللاتينية المستخدمة في الغرب قد لا تعبر عن طبيعة الجو هنا، لأن شهر أغسطس في بلاد الغرب قد يكون باردا.

الفكرة و إن كانت متناولة بكثرة لكن معالجتها كانت ناجحة جدا من خلال الأسلوب السردي السلس الذي اعتمده الكاتب و من خلال التقنيات السردية، فهناك المونولوج الداخلي، و الوصف و الحوار، و رغم قصر النص بشكل عام، لكن كان يمكن في بعض المواضع الاستغناء عن بعض الجمل الوصفية التي لم تكن مؤثرة في رسم اللوحة القصصية الماثلة أمامنا.

لغة الكاتب لغة جيدة متمكنة تمنح من موروث اجتماعي نقي، و قد طوعها بشكل متقن لخدمة الحدث.

الحدث رغم بساطته و عدم تناميه و تأزم حبكته بشكل صارخ من حيث الأفعال، لكنه كان متناميا متأزما كحالة شعورية وجدانية و إنسانية.

النهاية المفتوحة هي أفضل ما قام به الكاتب و أعتقد شخصيا أنه لو اختار نهاية محددة لأدخل الحكاية في كلاسيكية مستهلكة، لكنه وضعنا هنا كقراء في موقف المشارك لاختيار النهاية أو رسمها حسب المنحى الوجداني الذي نراه.

بالمجمل نص جميل جدا يحمل متعة القراءة

بالتوفيق لصديقنا الكاتب

و الشكر للقائمين على هذه الورشات المفيدة

_______________

Amola Elmenshawy  27

نص اخذنا إلى سبعينيات القرن الماضي فرأينا رأي العين بيتا في حي شعبي مكون من طابقين أو اكثر لم يوضح الكاتب وليس هذا ما يهم ولكن الذي يهمنا أننا أمام جسدين أشعلت فيهما حرارة أغسطس رغبة واحدة لم يفصح عنها أحدهما ولكنها أقدت مضجعهما، فالأول يسكن الطابق السفلي أعياه حر أغسطس فتوهم بالمرض والعجز يشعر أنه وحيد لا أنيس له ولا ونيس فتتداعى على رأسه ذكريات مضت تدق رأسه كدقات الهون القادمة من الأعلى. هو يعلم أن الست امتياز تعرف كيف تشعله لكنه يأبى ويقاوم يتقلب بين لظى الرغبة ووفاء الذكرى يتمنى ولو لمرة واحدة أن يدق رأسها بيد الهون التي تدق به رأسه فتشعل فيه رغبة تزداد توهجا مع لفحات حر أغسطس.

حياته تجمدت وتيبست مثل تيبس درج التسريحة لعدم وجود يد انثوية تدلك تلك الحياة فتعيد إليها ليونتها ورونقها، يصعد متحاملا مثقلا بأوجاع ليست مرضية ويتضح ذلك في سرعة نزوله التي لم تستغرق لحظات وهو يفر من براثن تلك الرغبة الجموح التي بدت عليها الست امتياز، ويبدو ان المشهد يتكرر من حين لآخر أو انه مقصود وبدا ذلك من ابتسامة المرأة التي لم تتفاجأ بقدومه ولم يصفها الكاتب بأنها ابتسامة خجل، كذلك الباب المفتوح والملابس المخففة والتي تبدي أكثر مما تخفي، نداء صريح لكنه متوار بين جدران بيتها، لم يستجب وفر هاربا، اكتفى بمخيلته، لكنها لم ترض إلا بالحقيقة فعادت إليه محملة بأنفاسها الحارة تغلف أصابع الكفتة وفنجان القهوة المنقوش برسمة روميو وجولييت في نداء صريح أن الحياة لابد ان تستمر.

دام الإبداع أستاذنا.

_______________

Nabeel Najjar  28

مسؤول

لفحات اغسطس.

منذ لفحني النص أول مرة، لمحت فيه اللمسة المحفوظية اذا جاز لنا ذلك التشبيه.

شخصان أساسيان في القصة وشخص في الذاكرة، و الحارة المصرية الجميلة موجودة بروائحها وتأثيراتها.

أحياناً لاتوافقني أفكاري للغوص في ترميزات وفرويديات سواء كانت جنسية أو لا.

لا تهمني دلالة يد الهون، ولا أعتقد أن صورة روميو وجولييت تدل على قصة حب او تشير إليها، هي مجرد نقوش على الأواني الخزفية لايخلو منها بيت.

لماذا ترفض أفكاري الترميز والاسقاط الدلالي، لأن جمال هذه القصة ومتعتها في بساطتها، في انسيابية موقفها الإنساني، في إلحاح الحاجة إلى القرب الانساني، وفي تذكيرها لنا بالاخلاقيات الحقيقية التي يتمتع بها مجتمعنا.

هذا الرجل الارمل، الذي صعد ناوياً افتعال مشكل اذا لم يتوقف الازعاج، وقف خجلا لأنه هتك ستر جارته بدون قصد، تحجج بطلب القيمة بن ثم غادر بخجل، والمرأة التي استجابت لطلبه بكل اريحية ثم زادت عليه لاحقاً طبق طعام.

نعم هو وحيد لكن أخلاقه وشهامة الحارة المصرية منعته من توجيه كلمة لوم أو حتى كلمة غزل.

وهي ولا ندري ماظروفها بكل كرم واخلاق الجيرة تصنع له القهوة وتزيد عليها طبق طعام.

في ظني حالة الوحدة والحاجة للونس كانت أظهر بكثير من الحالة الايروتيكية التي أشار إليها بعض الزملاء.

نقطة وحيدة: كنت اتمنى لو أن كاتبنا أشار البطلة بجملة أو جملتين توضح ظروفها المعاشية والاجتماعية.

رغم هذا أعتبر هذه القصة اختبارا مميزا يضاف لرصيد الواحة من القصص المختارة المميزة.

تهاني القلبية للمبدع سيف بدوي، وامنياتي بالتوفيق الدائم.

_______________

29 - حمدي عليوة

قرأت.. الشعور الذي انتابني أنه (هذا العمل الفني) جزء من رواية لوحة كتابة حرة لذكرى أو نقل لحدث من أحداث حياة بطلنا.. هذا ليس قصة قصيرة مطلقا بل لوحة من نثريات الحياة العادية . السرد سلس واللغة سليمة ماهو الفن في هذا ماهو الجديد ؟ لا يوجد .. كما قلت لا يمكن الحكم على هذا النص الا كفصل من رواية وهي بالمناسبة تشبه فصلا من روايات ابراهيم اصلان . السرد البسيط لنثريات الحياة بحياد ممل و الوصف لما تراه العيون أيضا الوصف المحايد ..ما قرات هو غرفة بقلم الكاتب من نهر الحياة الهادئ بدون أية بهارات ولا مذاق محدد .. هنا لايوجد حدث جذاب أوبراق أو لافت أومشوق. ابدا .. دقات هون امرأة لانعرف موقفها الاجتماعي مطلقة أرملة متزوجة . وخجل وتلقيمة بن وهبوط وتذكر أنه وحيد ما موقفه الاجتماعي من هي تلك التي كانت معه وتأخذ بيده.. لانعرف.. ثم هبوط الجارة بهدية من طعام الكفتة.. انتهت القصة.. أعود وأكرر هذه تصلح كفصل من رواية الكاتب مثل الذي أخذنا وغطى عيوننا ثم عرض علينا غرفة عادية غرفة بيت دون أن نرى البيت ولا الشارع ولا والحي .. فكيف نعطي رأيا.. تحيتي للكاتب . تحيتي ا – منال

_______________

30 - مجدي شعيشع

أنا أمام نص واقعي بامتياز

تأتى روعته من خلال نفحات البساطة وسهولة المفردات والتي جاءت عامية ومحلية فى بعض الأحيان، نص يذكرني بالورد البلدي، لا تستطيع أن تقول فيه شيء غير كلمة واحده "الله".

بدأ النص بغفوه وانتهى بغفوه ومابينها إما غفوة طويلة أو واقع رأيت تفاصيلة.

فلو سالتني ماعمر البطل سأقول حوالي 45 عام

وامتياز حوالي 40 عام

والزمان فى الستينات تقريباً

البيت من طابقين الاول للبطل والثاني لامتياز

النص يوضح ببساطة كيف كانت الحياة وكيف يحافظ الجار على حقوق الجار وان تجاوز دفع ثمن تجاوزه باعتذار بسيط فما حملته امتياز لجارها ماهو الا اعتذار وتقدير وكرم

اعتذار لانه لم يهنها وتقدير لانه لم يستغل وجودها بمفردها شبه عاريه وكرم لانه يبدو عليه يسكن بمفرده.

النص يذكرني ببيوتنا قديما لم تكن تغلق ابداً ، ولم يكن لها مفتاح .

الست امتياز بابها مفتوح وتجلس براحتها لآنها مطمئنة وتعلم ان جارها محترم ويخاف عليها ولا يطمع فيها.

وهو الموظف الوقور الذي انتفضت لترحب به دون أن تفكر فى ستر نفسها فقد سترها بعفته وخجله، وهي وصلت لسريره دون عناء وكأن شقته وشقتها بيت واحد كبير.

اغلب الظن ان بطل القصه مدرس

لانه يجلس فى البيت فى هذا التوقيت وهذا الشهر.

القصة ترجمت كلمة نسيناها ان بيوت الحارة بيت واحد، مبهور للأمن والأمان من بين السطور مبهور بالكرم…..

مبهور بالكاتب الفذ ونصه الاكثر من رائع لفحات أغسطس

مودتي وقناديل عنبر أستاذ

Seif Badawy

وشكراً من القلب أختي الفاضلة وأستاذتي المبدعة منال خطاب

على دعوتك الكريمة

_______________

31 - جمال محمد الشمري

مسؤول

قصة لم تحوي أحداثا كثيرة

هي فقط طرقات الهاون ونزول الرجل للجارة التي تطرق على الهاون ومن ثم عودته

لنجد الجارة وقد عادت بذكرياته وحنينه واشواقه ولهفته وشغفه بزوجته الراحلة

صينية ألمنيوم وعليها فنجان قهوة وكأس ماء بارد وكفتة الجمبري .

تماما كما كانت تفعل زوجته

لا إثارة ولا تشويق بالقصة والحركة لم تتجاوز عدة درجات من المبنى

لكنها قصة مفعمة بوصف رائع ومشاعر جياشة وحنين وفقد وعزلة ...

قصة كلاسيكية تتدغدغ مشاعرنا وتأخذنا لعوالم البطل وسكناته ونجواه و خباياه

طرقات الهاون تتلاقى مع لوعة الذكرى

كلاهما لهما وقع قاس ومستمر

تماما كحال روحه التي تتسكع فيها الذكرى بلا توقف

عليه ان يتخلص من الهاون ثم يفرغ للذكرى

ليبدا وصف مؤثر لحال الرجل وعزلته

سرير يبخ صهدا والبلاط الرحيم لأن السرير يزعجه بأشواك فقده لزوجته

ودرج التسربحة المعطل

خرج ليتخلص من أمر الهاون باي شكل ليتفاجأ بأنوثة يفتقدها بيته وروحه

أنوثة تعطي الحياة والجمال لأي بيت

تماما كما وصفها الكاتب البارع

مشمع ذي وردات حمراء ومحكمة على اطراف جلابيتها ما بين سمانة ساقها وأول فخذها

وصف تفاصيل المراة هنا أتى ليوضح حالة الكبت والفقد والرغبة

قاوم تلك الرغبة وفاءا لزوجته الراحلة فكان أن أتته هي الى عقر بيته

تماما كالسابق مع صينية المنيوم وكأس ماء وفنجان قهوة

حزينا وحيدت وجائعا

تلك حال البطل

عليه النهوض دون زوجته الان

ما اصعبه من فقد

يعود البطل يتناسى ما أحس به وما اختلجت له روحه

ينام ويغفو لعله ينسى ما حصل مع الجارة

معاناة مريرة يأتي من ينهيها ليترك القاص البارع الخاتمة مفتوحة

هل يكتفي البطل بالقهوة أم يستعيد روحه ؟؟؟

لفحات اغسطس من اكثر الشهور حرارة

اختيار عبقري خدم الفكرة بتلميح رهيب

روعة القصة بوصفها وأحاسيسها وسلاسة سردها ولغتها البسيطة الممتعة

أحيي أستاذنا الكاتب على جمال قصته وتميزها

_______________

32 - أمير البؤساء

راقني النص لغة ووصفا..

مشهدية دارمية وصفية حضور الكاتب فيها يبدو لي أنه أقوى من الحدث، وفروعه.

خيال الكاتب الوصفي أكثر حضوا، من خياله القصصي، لمشهدية حرارية مخلوطة بالذكرى الذي احترمها ذلك الوحيد الحزين...

هو

الهون ( أو كما نسيمه عندنا في اليمن : المدق)، ندق ونطحن به البهارات والقهوة...إلخ

المدق هنا لعب دورا كشخصية وهذا شيء جميل

وفي تقدير ي هو البطل حتى نهاية أسطره لا نهاية القصة ..!!

تحاملت عليها السيدة امتياز، في إيصال رسالتها التي كانت في تقديري صريحة بل دعوة لجارها التي توقعت صعوده فكان الباب مفتوحا وهي بشكل مثير لمشاعر الرغبة المكبوتة في الرجل الذي تعلم أنه وحيد و...إلخ

طرقات الباب بعد عودته من شقتها كانت معروفة لديه...

في محاولات سابقة ربما للفت انتباهه إليها...

كنايات الرغبة

الجنسية جاءت على لسان الكاتب أيضا كقوله مثلا : قابضة بعنفوان أنثوي على يد الهون ...

نزوله من سريره وكيفيته، صعوده السلم، وصف جسد المرأة، التي ما أشار الكاتب عن ماهيتها بغير اسمها ووصفها..

كلها على لسان الكاتب نفسه...

الوصف كان طاغيا جدا، انشغل الكاتب به بدلا عن الأحداث وتأزيمها وتصعيدها، وتحبيك القصة عامة..

مع مشهديه خيالية لزوجته وصاحب الدكان ابراهيم الجمل..

في عمارة وسط حارة ما ( المكان)، والمكان مجرد احتواء فقط!

لغة الجسد وتعبيراته شاركت ذلك الحوار البسيط الذي أربك وصف الكاتب بطل القصة وجعله يعاني صراعا بين الرغبة في ما تريده لحظته وبين ما هو مستقر من مثالية االرفض القيمي المكن بالوفاء للراحلة...

حرارة النص

على مدار السنة بالنسبة للقارئ، ولم تنته القصة بمعالجة في تقديري منطقية ومقبولة، النهايات المفتوحة المردودة على متن النص تكرار للفكرة وليس خاتمة... فلماذا مازالت قائمة ؟

الكاتب بارع حقيقة لغة، ووصفا، حد أنه يمكن للقارئ تجاهل تقريريته بداية ووسطا ونهاية أيضا...

كمن رأى مشهدا تلفزيونيا فقام بوصفه، ولكن بلغة راقية مؤثرة تخدع النقد وأدواته، لذلك في تقديري_ القصة ينقصها الكثير،

حين قرأتها ظننتها ورقة سقطت من رواية..!

تحياتي لكاتبها.ولكم جميعا.

_______________

33 - عاشور زكي أبو إسلام

قراءة في قصة قصيرة ( لفحات أغسطس) للقاص المصري سيف بدوي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما بين دقات الشيخوخة والوحدة، وطرقات العوز إلى الأنثى يقع بطل قصتنا، وزاد عليها حرارة جو أغسطس لتشكل معا لفحات متلاحقة لهذا الأرمل العجوز في هذا الصيف القائظ.

من المعلوم أن الرجل بحاجة إلى الأنثى في سائر مراحل حياته، والأنثى بحاستها السادسة تدرك سطوة هذه الغريزة على الرجل، فتقوم بالطرق/الهبد على الحديد/الهون النحاسي وهو ساخن كسخونة أغسطس، والعجوز يحاول جاهدا وأد هذا الدق الحثيث على الدماغ بذكراه مع زوجته المتوفاة؛ لكن «الحي أبقى من الميت».

بحركات وئيدة يحاول العجوز التخلص من هذه اللفحات ما بين صعود إلى شقة الجارة الوحيدة " صاحبة الهون الطارق " هبوطا إلى شقته شبه المظلمة؛ لكن دون جدوى.

استخدم القاص مفردات ذات إيحاءات جنسية ليست خادشة للحياء: الهون ويده (مسماره)/ الوصف الدقيق لحركات وسكنات الست امتياز بدءا بأصابع اليدين المكتنزة/سمانة الساق/الساعد مرورا بالبطن... انتهاء بعبق العرق المتصبب سخونة وشغفا...

كل هذا زاد من قوة الطرق والعبث في مخ العجوز الأرمل الذي يكابد لفحات خريف العمر؛ لكن تنحل العقد بهبوط الست (امتياز) ب(مائدتها السماوية)! لتكون بردا وسلاما على قلب العجوز، تنهي حالة الحزن والوحدة والجوع المعدي والجنسي للعجوز الأرمل.

في الختام أقدم أرق تحياتي لصديقي المبدع سيف بدوي متمنيا له دوام التوفيق.

_______________

34 - رؤوف حدو

هو كالاشتهاء اللذيذ الموجع كما يقول حافظ الشيرازي، يتحرر جسد الرجل من ثقل الذاكرة، يرتقي للست، لايهم اسمه بقدر مايهم اسمها، فقد لعبت دورها بامتياز، بعيدا عن رهافة جسد المرأة، الست امتياز بجسدها المكتنز مارست عنفوانها على ذاكرة الرجل، عملية قهر عفوية، اجتمعت فيها قوانين الفيزياء؛ السائل: العرق، الصلب: الجسد، الغازي: الرائحة، رائحة البن، ورائحة المرأة، وقوانين الجغرافيا: زلزال الجسد المرتج، والمثانة القابلة للإنفجار في أي وقت، وحده نهر المرأة البارد من يمكنه أن يجرف ذاكرة رجل ملتهبة، هو كالزلزال الذي يعيد تشكيل جغرافيته من جديد، يحفر في جوفه منابع حياة جديدة وذاك الهون الثقيل الصامت الذي لولاه لما تحققت المعادلة، وهل كان للفحات اغسطس أن تعرف معنى آخر لو غابت الست امتياز، المرأة التي طحنت توابل المعادلة جيدا في الهون. بورك قلم الكاتب

_______________

35 - عبدالحافظ بخيت متولى

السؤال الذي تطرحه القراءة الاولي لهذه القصة هو : هل نحتاج إلي هون كي ينبهنا علي ما نحن فيه من اغراق في الماضي ونتحول للحاضر؟

وقد يصلح هذا السؤال أن يكون أرضية جمالية نقيم عليها تصورنا لنوعية عملية التعبير القصصي المركبة داخل قصة لفحات أغسطس

العنوان هنا يشير إلي زمن صعب من الناحية الجغرافية يوازيه حالة نفسية صعبة تشبه هذه اللفحات التي تدمر الذات وتهد قوي البطل الضعيف المستلم للواقع وشرنقة الماضي حتي أنه لايستطيع التعامل مع العالم الخارجي لأنه معزول عنه، والصياغة التي أتي بها القاص تشير إلي وعي بالبناء الفني للقصة الذي اختاره الكاتب ليبرز من خلاله إدراكه لتناقضات الواقع من حوله، هذا الواقع الذي لا يتطور الا بالتغيير والتحول من غيبوبة الماضي إلي اشراقة الحاضر لأن الواقع الحي دائم التغيير وهذا ما قصد اليه الكاتب - في تقديري - وهذا ما دفع الكاتب إلي التركيز علي هذه التحولات، فالبطل الذي خرج من مكانه غاضبا علي السيدة التي تدوق الهون هو نفس البطل الذي تراجع عن موقفه حينما رأي السيدة صاحبة الهون، فتحول من طور الغضب إلي طور التلاطف مع السيدة، وقد لعبت الانثي الرمز إلي التأسيس الجمالي لهذه التحولات، فقد كان قبل موقف الهون مخلصا لزوجته الحنون التي ماتت وظل حبيس الذكريات معها إلي انثي أخري تنذر البطل بأن الحياة لا تتوقف عند شخص ولا موقف، وإنما هي مجموعة من التحولات التي يجيب أن نتوافق معها

ثمة وعي عميق لدي الكاتب بمعني الواقعيه في الفن وتوظيف الرمز بمهارة عاليه، ولم يقع في شرك التصوير الحسي للموقف أو صياغة علاقات ميكانيكية بين الأشياء والأشخاص برؤية سطحية لظواهر الواقع، وهذا واضح جدا عند الكاتب في البناء الفني للقصة، بالإضافة إلى الرؤية الشعرية التي جاءت عليها اللغة المستخدمة في بنية القصة، وتلك النهاية التي تشير الي حتمية التغيير بوسائل مختلفة قاص متميز يمتلك وعيا فنيا رائعا

_______________

36 - سعدى البرعصي

لفحات اغسطس

سيف بدوي

لفحات اغسطسية تعصف بذالك الرجل الوحيد في شقته المنسية وحيداً حزينا جائعاً

الجو الحار العاصف لا يقاطعه الا صوت رنين الهون الكبير الذي لا يتوقف ويسير في نفس اتجاه مسارات روحه المعذبة ولكن لفحات اغسطس ترمي بثقلها على مشاعره والسيدة الجارة تدق وتدق حتى أنه اضطر إلى الصعود إليها ليهبد رأسها من شدة الازعاج و الطنين.

عندما وجدها في صالتها وحيدة مثله أيضاً توقف عن ما يريد فعله وطلب منها..

تلقيمة بن أن السيدة امتياز جميلة جداً

عذبة بقدمين حافيتين وملابس صيفية وانامل جميلة تصاحب دقات الهون

حي شعبي للعطارين بمحلات متجاورة كعلب الكبريت الصغيره.

تسريحة لا تنغلق منذ غياب صاحبتها الزوجة والرفيقة الراحلة التي لم يملأ فراغها أحد ، العصر وقت التآهب للمساء.

القهوة وصورة روميو و جوليت الحب العظيم الشكسبيري الذي خلده الادب والفن في لوحاته

يشتهي الذكريات القديمة ، فتأتي سيدة الامتياز فاتحة الباب على ضلفته حاملة صينية القهوة الممزوجة برائحتها وصورة روميو و جوليت تعود مجددا تبدد كل الأفكار والمتاهات ، معلنة قصة حب جديدة تدمر السكون القائم طوال سنوات.

استخدم الكاتب الهون لصوت لا يصمت ابدا وأفكار حية لا تنام

المرأة الحافية بدون زوج تبحث عن الستر

التسريحة المنسية رمزا لغياب الزوجة والأنوثة

الزمن الحار مشاعر نارية لا تتوقف عن البحث والقلق

الروائح النفاذة تملأ الأمكنة بعبق الذكريات

الحي الشعبي ، الجيران ، القهوة ، الهون ،

الدكاكين الصغيرة ، الشقق المتواضعه رموز للمكان الذي حرك الزمان المتوقد

_______________

Mohammed Kamel  37

عنوان دقيق وبارع لم يكشف محتوى النص، لكنه ببراعة من الكاتب أشار إلى أن النص سيتناول حياة الصيف الحارة، ولسعات أغسطس شديدة الحرارة وما قد يختبئ خلفها من مشاهد عارية وطقوس صيفية مرهقة.

اللغة متقنة وجذابة سرد بلغة فصحى جزلة، إلا من بعض المفردات البسيطة مثل تخترم جمجمته، السرد مشوق وجذاب حتى نهاية القصة، أحالنا بمهارة للولوج لعالم النص وكأننا بداخله بمشهدية عالية، تأزم الموقف مع وقوفه أمام بيتها، شاهد ها بملابس شبه عارية وقدمين حافيتين، وجسدها يفيض منه العرق، وجسدها بأكمله يرتج مع دقها على الهون، فوقف حائرا ليطلب بعضا من البن، ثم لم ينتظر فولى مرتدا لبيته.

عادت به الذكريات ليضعنا في حيرة عن أي سيدة يتحدث، هل عن السيدة (امتياز) أم عن أمرأة أخرى، كانت تخفف عنه لفحات الحرارة وتعاونه وتخضر له ما يشتهى، لينتهى المشهد بما رأى في الذاكرة، فكانت النهاية رائعة ومفاجئة، تدعنا نتسأل هل هي ترغب في العودة إليه، أم هل ترغب في ارتباطها منه أم مجرد سيدة عطوف تقدر جارها.

كانا عنصري المكان والزمان حاضرين بقوة، فالزمان أغسطس بما يحمله من صهج عبر عنه الكاتب، والمكان بيته ليقف أمام باب بيتعا ثم يعود ثانية لبيته، وقد برع الكاتب في رسم شخصياته ووصفهم جيدا بالتوفيق دائما للجميع أن شاء الله

_______________

Asma Elgargani  38

مسؤول

نص جميل ، سلس، رقراق، جرفنا الى اجوائه منذ الكلمة الأولى ولم يتركنا حتى النهاية…….

الرمزية: تم استخدامها ببراعة وبساطة في نفس الوقت مما جعل للقصة تأثير قوي واجواء عالية الاحساس بعيداً عن التلغيز والاستعراض…..( الهون، امتياز، قدميها الحافيتين، حنته، رسمة روميو وجولييت، درج التسريحة المفتوح) كلها رموز استخدمت بمهارة لوصف تأثير الوحدة والماضي والجمال والحب والفقد …..

بعض المواقف البسيطة قد تجعلنا نغير مواقفنا الى النقيض ، فالبطل نزل الى جارته بحالة غضب لكن رؤيته لجارته الوحيدة وشعوره بجمالها وفتنتها أحيت اشياء في داخله كان يعتقد انها ماتت بموت زوجته مما غير حاله وبدل موقفه ، وهنا ينوه الكاتب الى تأثير المرأة وتلطيفها للأجواء وبثها للحياة فيمن حولها …

هذا النص اثبت لي بما لايقبل الشك ان نجاح القصة القصيرة لايعتمد بالضرورة على حدث قوي وتأزم كبير ، يكفي ان نكتب ببساطة واحساس ليصل تأثير مانكتبه بقوة الى المتلقي

شكراً استاذة منال خطاب

شكراً للمبدع سيف بدوي

______________

39 - د.سليمة فريندي

- -

قراءة في نص لفحات اغسطس

قصة قصيرة جاء العنوان فيها بصيغة الجمع، للدلالة على الكثرة والتعدد. وتعني كلمة لفحات اللسعات،

شهر اغسطس هو شهرثمانية في التقويم الغريغوري لشهور السنة الميلادية. يتميز هذا الشهر بشدة الحرارة، ولفح الأشعة الحارقة، إذ تنعكس اللفحات على جسد الإنسان و على مزاجه، وحتى على رغباته، فيصبح هو بدوره لافحا.

عتبة النص فاضحة، كاشفة تربطها بالنص علاقة اتصال واختزال، حيث قام المتن بتفصيلها وتفسيرها، وجسدتها القفلة الجميلة والمتناغمة مع العنوان، لفحة البن ولفحة عرق جسد السيدة امتياز....

وبالرجوع إلى أحداث القصة، فإنها تمتح تيمتها من يوميات الإنسان المصري في الحارة الشعبية، وما يعانيه الناس من مشاكل في حياتهم اليومية؛ من بؤس، وفاقة، وعوز، خصوصا الشريحة الاجتماعية المستضعفة والهشة.

- تناول الكاتب موضوع الوحدة من خلال البطل وما يستتبعها من تحديات نفسية للإنسان، و ما يترتب عنها من أوجاع وآلام ومعاناة.

- كما ناقش بالموازاة مع ذلك، موضوع الشيخوخة وعجز الإنسان عندما يتقدم به العمر، و يصبح قليل الحيلة موسوما بالضعف والوهن، فحتى أبسط الحاجيات الطبيعية يتعذر عليه القيام بها بمفرده.

- وقد أثار الكاتب بطريقة جميلة جدا موضوع التكافل الاجتماعي والتعاضد والتآزر بين الجيران والناس في الحارات الشعبية، فهم كاللحمة في أوقات الشدة، واللحظات العصيبة، قلوبهم على بعض، يؤازرون الضعيف، ويعودون العليل، ويدعمون المحتاج رغم بساطتهم، ومستواهم المادي المحدود؛ ألا أن الجانب الإنساني حاضر و بقوة بينهم، وهذا هو العنصر الحميد و الشيء الرائع في الحارات الشعبية.

- ثم بحكم تقارب البيوت، والشقق، فأية حركة أو دق أو نقر يخترق مسامعهم، ويشعرون به،

دون أن ننسى عملية الدخول والخروج دون استئذان فيما بين الجيران، فتنشأ بينهم في كثير من الأحيان علاقات حب، وأحيانا عشق ممنوع، وعلاقات وأحاسيس ومشاعر محرمة.

- وقد اعتبرت الحارة مادة خام لكثير من الأعمال الأدبية والسنمائية نقل من خلالها الروائيون والقصاصون والمخرجون الحياة في الحارة بكل تناقضاتها ومفاصلها، ونقلوا حيوات أبطالهم، ووصفوا طباع الناس في حالات الصفاء والتعكر، وتحدثوا عن عاداتهم وتقاليدهم بشكل دقيق.

كما أتاحوا للقارئ فرصة التعرف على الكثير من التجارب الإنسانية الثرة، بكل ما تنطوي عليها من آلام وما تحمله من آمال......

سرد ماتع، قصة واقعية مستوحاة من قلب الحارة الشعبية.

لغةجميلة، سلسة، قريبة من لغة الحديث اليومي تتناسب وتيمة الحارة.

نجح القاص وابدع في تقديم وسرد قصته.

_______________

40 - عبد الله خزعل

القصة لفحات أغسطس

عنوان القصة هو مفتاح الولوج إلى الحدث المتنامي بين الحقيقة والخيال واليقضة والحلم. لفحات أغسطس الشهر الحار الذي يوحي بهروب الناس من حره والاختباء في ظل البرودة التي تعني الهدوء والطمأنينة في رمزية الكتاب... لفحات الشهر الحار التي يتفاعل معها الجسم فيزيائيا وتنتفض غرائزه؟. القصة وكأنها لفحة حارة من لفحات أغسطس وهي تصف لنا رحلة قصيرة من الوصف والاسترسال في الغزل الموحي برمزية الغريزة المكبوته... لغة سهلة وانتقالات جميلة وكأنها قطعة من رواية.... تحياتي لكاتبها

_______________

41 - عبدالحميد مدكور

مع بداية قراءتى للنص كنت أشم رائحة أدب نجيب محفوظ بما يحوى العمل من كلاسكيات المحتمع المصرى الشعبى والعادات الاصيلة فى تصوير الحارة المصرية بطبيعة العلاقات الاجتماعية وباسقاطاته فى استخدام الهون النحاس والجمبرى والوصف المتمنى باشتياق للسيدة ( امتياز ) وفنجان القهوة الذى يمثل الرابط المشترك فى العلاقات الاجتماعية حتى عنوان النص لم يسلم من الاسقاط على الارتباك الناتج عن الوحدة ، استخدم الكاتب كلمات تعطى تصوير حى للمشاهد مثل البلاط الرحيم ، الهون النحاسى ، جمجمته ، محلات العطارة ، نخاشيشه ، كسرة الخبز الناشف اثرى النص بالمشاهد والاحداث

تحياتى للكاتب سيف بدوى

تحياتى لادارة الواحة على اختيار النص

_______________

42 - محسن الطوخي

مسؤول

 

تهاويم على إيقاع لفحات أغسطس

للأديب/ سيف بدوي.

الست امتياز هي بطلة هذه التجربة بلا منازع. فهي محركة الأحداث، بينما حضر الرجل على الدوام في مقام رد الفعل. لذلك سوف نمر عليه مرورا سريعا، قبل أن نفرغ لتأمل هذا النموذج الإنساني الرفيع.

اول مايلفت النظر هو أن الرجل ورد ذكره في القصة على الدوام مشارا إليه بضمير الغائب. بينما ورد اسم الست امتياز ثلاث مرات. مرتين في خيال الرجل صاعدا الدرج، يتأجج صدره بالغضب، وراقدا على سريره بعد أوبته من مغامرته متهيجا مستثارا. ومرة واحدة بلحمها وشحمها مقتحمة خلوته حاملة صينيتها. وغياب اسم الشخصية في السرد يشي بحضوره الباهت في ذهن الكاتب رغم استخدامه كعمود فقري للحبكة. هو ليس اكثر من شاشة العرض التي تدور فوق صفحتها الأحداث. ومما يؤكد هامشيته في التجربة ظهوره السلبي في كافة المشاهد التي صورته. مستلقيا على سريرة نهبا للذكريات والملل، والحر. أو واقفا على باب الست امتياز وقد شدهه عريها، وفتنة جسدها الذي انضجه الصهد والحر، وما تبذله من جهد في دق الكفتة بيد الهون الثقيلة، ثم استسلامه لفراشه في مشهد النهاية مستثارا متهيجا وكأنها المرة الأولى التي يري فيها الست امتياز جارته القديمة. والحق هو أنها المرة الأولى بالفعل. فيمكن للقارىء من خلال الإيحاء بتفاصيل المكان وخصائص البيئة أن يتخيل الصورة الذي اعتاد أن يري بها المرأة، ملفوفة بالملاية اللف. أو تحت الإسدال، في صورة تليق بحشمة امرأة عزباء أو أرملة في حي شعبي. لذلك بدا الذهول الذي سيطر عليه لدى وصوله إلى باب الشقة الموارب مفهوما ومنطقيا. فهي هناك على بعد خطوات، تجلس وقد ضمت أطراف جلابيتها بين سمانة ساقها وأول فخذها. وقد تهدل شحم عجيزتها على أطراف كرسي الحمام، تهوي بيد الهون، فيرتج جسدها في ارتدادات تسلم بعضها إلى بعض ابتداء من ساعدها فصدرها فبطنها فجذعها فساقيها. معذور إذن الشيخ حين ارتج عليه في موقف الصدمة، ونسي الهدف من تكبده مشقة الصعود، ومعذور هو إذ أسعفته اللحظة بحيلة تنقذه من الورطة فتعلل بطلب تلقيمة بن، ثم لاذ بالفرار.

نأتي للست الطيبة امتياز. ولكن هل هي بالفعل طيبة؟

ظاهر الأمر يشير إلى ذلك. لكن قراءة الأحداث تضعنا في شك من ذلك. ولكن هل من واجبنا ان نحاكم الست امتياز هنا في واحة القصة القصيرة بناء على مانستنتجه من إشارات، بدءا من الهبد بيد الهون فوق رأس جارها الطيب. ثم ملاحقته بعد تدبر وترو، ليس بتلقيمة بن فقط، بل بأصابع كفتة الجمبري المحمرة. وفنجان القهوة المزين برسوم روميو وجولييت. أما رائحة جسدها فسنغض الطرف عنها مؤقتا، فالحس الشعبي السليم من الذكاء بحيث من غير المتوقع إن تتعطر امتياز قبل أن تخطر بالصينية متوجهة إلى الشقة السفليه.

لدينا الكثير من النوايا الطيبة، ودوافع حسن الظن تمكننا من تبرئة ساحة الست وإحالة كل تصرفاتها إلى طبيعتها الشعبية المنفتحة على الآخر. لكن لا يمكن لنا أن نفغل الإشارات التي أرسلها لنا الكاتب على لسان السارد ( اللئيم ). وأولها المقابلة بين حركة صعود الرجل في بداية التجربة. وهي حركة نالت اهتمام السارد فأعطاها حقها من التصريح والإيضاح. بينما غلف هبوط زينات بالإضمار ( وكانه ينبهنا إلى عدم إساءة الظن بقدراته )، انظر كيف غلف المشهد بالكثير من الإيحاءات في توجيه غير مباشر لذهن القارىء.

- قبل طرقات امتياز يأخذ بجماع انتباه القارىء إلى تلك المنطقة بالذات. فالرجل يقاوم حصرته كسلا.

- طرقات " لحوحة " ..

- " تسد ضلفة الباب " ..

- " أصابع كفتة الجمبري المحمرة " .

لن أسيء الظن بنوايا السارد، ولكن لا يمكن ألا ينتبه القارىء لدلالة الأصابع في موقف الاشتهاء.

- رسوم روميو وجولييت على الفنجان. ومن عاصر الستينيات من القراء يعرف شهرة طقم صيني روميو وجولييت، وارتباطه بالمناسبات السعيدة

ونأتي للطامة الكبرى.

" رائحة جسدها "

أظنني أمسكت الكاتب متلبسا.

فكل ماعدا تلك الرائحة يقع في محيط انتباه " امتياز " وهي ترجو أن يكون فيه الكفاية لتحريك " الصنم " المشدوة - مازال - بخطو قدميها الحافيتين على البلاط، وعرقها الواشي بتفاصيل جسدها.

رائحة جسدها إذن وشت بتورط الكاتب في المسألة. هو فقط من يمكنه التقاطها في موقف الرجاء.

ولا يسعنا ان نتجاهل دوى " يد الهون " بإيحاءاته الحسية، وبالنوايا التي حركته:

هل اشتهت امتياز في هذا اليوم الحار اللافح من أغسطس تناول وجبة من كفتة الجمبري؟. اول مايخطر بالبال هو انها وجبة شتوية بامتياز، بما تضخه من طاقة، وما تستوجبه من جهد عضلي لا اظنه مستحبا في صهد أغسطس. وهذا يرجح مع القليل من سوء الظن أنها إنما عمدت إلى تلك الوسيلة لتحريك الصنم الذي يسكن تحت السقف الذي يتلقي الضربات. اغلب الظن أنها لم تكن غافلة عن ظروف الجار الوحيد القابع كالدودة " لا يهش، ولا ينش ". ونحن مضطرون لاعتبارها وحيدة ومقطوعة للظرف الذي وضعتها فيه الحكاية، فالوقت عصاري. حيث تكتمل البيوت بالرجال العائدين من أعمالهم، والأولاد الآيبين من مدارسهم. فإذا وضعنا في الاعتبار الباب المفتوح. حق لنا أن نسيء الظن بنوايا المرأة، خاصة وان السارد لم يفوت الفرصة لتوجيه أذهاننا إلى مايتوجب علينا صرف انتباهنا إليه، .." .. ولم يبق سوى هو و ( الهون ) الذي يستقر في منتصف الصالة صامتا ثقيلا " . توظيف الهون جاء إذن موظفا بادائة الصاخب كدعوة للصعود، وبإيحاءاته كطاعن ومطعون. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فسينتقل ذهن القارىء مباشرة إلى مشهد الرجل قبل طرقات امتياز وهو ممدد، تداعب ذاكرته صورة صينية الومنيوم، يقف قوقها ( منتصبا ) كوب الماء البارد.

هناك حالة من التوتر مضمرة، ومخبوءة، تمور تحت سطح الأحداث التي تبدو في ظاهرها بريئة وتلقائية.

ولو انها كانت كذلك لما نشأت ضرورة لسردها. لكن عين الفنان اللاقطة تنتبه بطبيعتها لما يمكن أن يفوت العين العابرة. ولولا قدرة الفنان على حشد رؤيته بالإشارات الدالة، لما توهج نص كهذا. ولما تجاوز حيز الممارسات اليومية.

ومن اللافت أن الكاتب لم يكتف بالعناصر اللغوية ذات الحمولة الدلالية. ولا بالصورة الموحية. بل استخدم أيضا الحركة.

حركة صعود بدأت بها التجربة، قام فيها الرجل بالصعود مدفوعا بالرفض الظاهري لدقات الهون، بينما يحلق هاجس في الافق بأنه كان مدفوعا برغبة مضمرة.

وحركة هبوط انتهت بها التجربة، هبطت فيها امتياز بعد تدبر وروية مدفوعة ظاهريا بواجب الجيرة، بينما يحلق هاجس مشابه بأن مايحركها كان هاجس مشمول بالرجاء.

ولابد ان المشهد يحتوي على شواهد تجعل من فكرة ( الانتروبيا ) حاضرة في مجال المقارنة. فباعتبار المنزل القديم فضاء مغلقا، يمكن تصور حركة الصعود والهبوط باعتبارهما حركة طبيعية تلقائية تمثل انتشارا للطاقة يسعى إلى تحقيق التوازن في هذا الفضاء المغلق. فامتياز المتأججة بالطاقة، والرجل الخامل الكسول يسعيان بشكل غير مقصود إلى وضع حد لحالة التوتر وصولا إلى الاسترخاء، أو التجانس الذي تسعى إليه الأنتروبيا.

هذه فكرة جانبية قد لا يتجاوب معها إلا خريجي الأقسام العلمية. لكنها على أي حال جالت بخاطري ورأيتها تحقق انسجاما مع القواعد التي تحكم الكون. وهل الإنسان إلا كون مصغر. .. " وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر " . البيت معروف ومنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب.

على العموم.. لا يهم إن كانت امتياز قد نجحت في تحريك ابو الهول، ودفعه إلى تجاوز الخط الوهمي الفاصل بينهما، فما يهمنا هو( شرف المحاولة ). وبراعة العرض. والاقتراب من المحظور . ولا يتصور احد اننا في مقام محاكمة امتياز من وازع أخلاقي. وإلا نكون قد جانبنا أصول التناول. بل الأحرى هو أننا نضع محاولات الكاتب في تمييع المشهد في ميزان القدرة الإبداعية. والسؤال الذي ينبغي ان يراود القارىء. هل نجح الكاتب في تحريك امتياز بحيث لا تطالها شبهة عبث او مجون، رغم انها لم تدع وسيلة إغراء إلا واستعملتها؟

وهل نجح في نتف ريش الرجل الطيب، بحيث يجعلنا نقبل بأريحية تنحيه عن الباب المفتوح، والسماح لامتياز بالدخول؟

الإجابة في الحالين هي نعم..

أراه وفق في ذلك بحبكة أقل مايقال فيها أنها محكمة.

_______________

43 - موسى غافل

قراءة اولى ...

هناك خصوصية لهذه القصة ،جسدها القاص (سيف بدوي) ربما من خلال معايشته للعوائل المحشورة في شقق أو غرف متداخلة، تطل ابوابها على بعض، ويشتركون في حمام واحد.

لهذه المجاميع البشرية نمط حياتي متداخل حتى في التفاصيل ذات الخصوصية المعاشة.

(امتياز) امرأة وحيدة في مسكن مجاور للرجل المثكول ، يصدع رأسه الهون .فينبهر عند مثوله امام باب شقتها وتنكشف تفاصيل جسدها ،وتطل صاحبته ليس فقط حافية القدمين ، بل بثوب معروق ربما يلتسق بجسدها. فتحضر امامه بانوثة طاغية. هذا التداخل المألوف، سرعان ما يستحضر من احساس ،غائب عن العين لكن سرعان ما يمثل امامنا قائما بحياة متدفقة، وفي القلب، ليذكر بحاجة المثكول الى (امتياز) التي مثلت امام الباب بنفس الانوثة التي هي بحاجة اليه و هو لها. القاص المبدع استحضر لنا ذكريات عميقة عن الالفة الطاغية بالاحاسيس العذبة . والى ضرورة ختام العزوبة. لأننا .. وجدنا انفسنا ننجرف الى هذا الاحساس، و هذه اشارة تنبهنا الى رفع القبعةلصاحب النص(سيف بدوي) تستحضرنا العديد من الانثيالات لخصوصية هذه الامكنة المجتمعية، و تفعل فعلها في اعماق، الماضي للذين انجرفوا في احاديات مثل هذا النص الابداع.هذا انطباع مجرد. اوحاه النص في تفاصيل خبأته الاعوام العتيقة.

_______________

44 - سمية جمعة

مساء الخير

شدّتني تلك القصة ذات السرد،المدهش و الغوص في أدق التفاصيل التي تثير شهية القارئ لقراءتها أكثر من مرة،تلك الصور التي أعادتني إلى وصف في قصص نجيب محفوظ، تحركات المرأة ، حبات العرق التي تنز من جبينها، الهون الذي كان يتربع في كل بيت يعشق القهوة، تلك الصور و التفاصيل تضفي جمالا حسيا، نستشعره و نحن بين الحروف، الذكريات الجميلة مع زوجته و الاهتمام به،و الآن هو وحيد مع جدران الغرفة و ذاك السرير الذي يئن تحته.

الواقعية في القصة ،دهشة بحد ذاتها و الاقتراب من البيئة المصرية التي تجعلنا نعيش بين شوارعها و بيوتها.

أجواء آب اللهّاب التي تجعل البيوت تشتعل حرارة، تلك الحرارة تنعكس على لباس الناس الذي يلتصق بالجسد فتبدو التفاصيل واضحة.

_______________

اثنان وأربعون تناولا  لقصة  " لفحات أغسطس " لهو أمر يسر القلب.  تحياتي، وتقديري  لمشاركاتكم التي  تثري الفعالية، وتمنحها القيمة.

تمنياتي لكم جميعا بالتوفيق. ووافر شكري  للأستاذة الفاضلة منال خطاب لقاء ماتبذله من جهد في الإعداد، والمتابعة.

إلى اللقاء مع قصة شهر اكتوبر بإذن الله.

_______________ 

نص القصة:

لفحات أغسطس

     دماغه ثقيلة ثقل ذاك (الهون) النحاسي الذي لم تكف جارته عن الدق به فوق راسه حتى هرست مخه ..

     لم يكن مدركاً لحقيقة ما هو عليه ، أكان نوماً أم يقظة ! .. كل ما يدركه أنه حزين ، وأن هذا (الهون ) الذي يهبد السقف فوقه .. أرحم من تلك الذكرىٰ التي تتسكع داخل روحه بخطواتها الثقيلة  بلا توقف . كمن ضل طريقه في متاهة .

     عليه إذن أن يتخلص من طرقات (الهون) في جمجمته أولاً  .. ثم يفرغ لتلك الخطوات التائهة في مسارب روحه .

 أنزَلَ ساقيه عن السرير الذي يبخ صهداً .. باسطاً صفحة قدميه على البلاط الرحيم ، ثم تشبثت يده بدُرج التسريحة الذي صار من الصعب إغلاقه منذ سنوات .. ونهض .

    لم يَدَعْ لنفسه فرصة لأي تفكير أو تدبر أمر .. فتح باب شقته ، ثم تشبثت يده بعود الخشب الذي يكتسي به الدرابزين المعدني للدَّرَج .. وصعد لينهي أمر (الهون) ، حتى لو اضطره ذلك لأن يُمسك بيده الثقيلة و يهبدها-  ولو مرة واحدة -  في رأس الست ( امتياز ) .

     تجمد أمام باب شقتها المفتوح ، بينما كانت تجلس وسط الصالة شبه الفارغة،  المفروشة بمشمع ذو وردات حمراء كبيرة وأوراق خضراء مفلطحة ، وقد اختفى كرسي الحمام تحتها اختفاءً مريباً ..مُحْكِمَة على طرف جلابيتها ما بين سمانة ساقها و أول فخذها .. ويدها ذات الأصابع المكتنزة المبرومة قابضة بعنفوان أنثوي على يد (الهون) الذي تهوي به فيرتج كل هذا الجسد تباعاً في ارتدادات تُسلِم بعضها إلى بعض ابتداءً  من ساعدها فصدرها فبطنها فجذعها فساقيها .. لتستقر في نهاية المطاف إلى بلاط الصالة .

     رفعت رأسها و قابلته بابتسامة زادت وجهها ـ المتوقد ـ  حُسناً ، وأفسدت ما انتواه  وعزم عليه عزماً حين قرر الصعود إليها !

   كانت قد هَبَّت واقفة حين رأته ، وأسرعت نحوه بقدمين حافيتين مستدقتين ، أما هو – والذي خَبِرَ فتنة خطو امرأة بقدم حافية -  كان قد أُسقط في يديه حين استقرت أمامه بجسدها الذي ينز عرقاً تحت جلابيتها التي لم تعد صالحة لستر أي شيء !

    كان لا بد أن يقول شيئاً .. أي شيء .. وإلا فلم يجرح ستر بيوت الناس في نهارٍ حارٍ كهذا .. تلجلج قليلا .. ثم طلب منها معتذراً ( تلقيمة بن ) ، فخبطت بكفها على لحم صدرها ثم أشارت بسبابتها إلى عينها ( من عيني .. حاضر )

    كان يتفادى النظر إليها بعد أن استدارت تخطو بقدميها الحافيتين خطوات متعجلة نحو المطبخ ، لكنه نظر .. ورأي .. حتى اختفت .. ولم يبق سوى هو و ( الهون ) الذي يستقر في منتصف الصالة صامتاً ثقيلاً .

    حين عادت لم تجده ، فَخَطَت على البسطة ونزلت درجتين ونظرت من بين قضبان الدرابزين الحديدية لتجد بابه مغلقاً .

    كانت ساعة العصر قد انقضت .. وهو  يجلس على طرف السرير بلا حركة منذ نزوله من شقة الست ( امتياز ) ،  تطارده صورتها و مشيتها وعرق جسدها ، ثم مدد جسده على السرير .. مستسلماً لكل شيء بلا قيد أو شرط ، حتى غفا .

    ربما لم تكن سوى غفوة استغرقت دقائق معدودة .. أفاق منها على رائحة البن التي تتماوج من دكان "ابراهيم الجمل"  تخترم جمجمته ونخاشيشه ممتزجة برائحة العطارة المعتقة المنبعثة من تلك الدكاكين الصغيرة كعلب الكبريت بسوق العطارين .

     كان حزيناً .. وحيداً  ..و جائعاً .. انفردت به ذكريات تلك الأيام حين كان يتململ من نومة العصاري فيجدها جالسة بجواره وبيدها ورقة من الكرتون ( تُهَوِّي ) على جسده المدد وقد لوحته لفحات اغسطس .. ثم تبتسم له واضعة يدها تحت ظهره فيعتدل ، فتناوله كسرة الخبز الناشف ، المبلول بالماء ، وقد (حَنَّته ) بطبقة رقيقة من الجبن الأبيض المالح ، وعلى صينية المونيوم يقف منتصباً كوب الماء البارد ، و بجواره قهوته المرة في الفنجان الأبيض برسمة دقيقة لروميو وجوليت .

    يدرك أنها ليست هنا ، وان مثانته ستنفجر خلال دقيقة أو دقيقتين .. وأن عليه النهوض وحيداً بلا يدها .. والمرور عبر تلك الصالة الساكنة ، شبه المظلمة، نحو الحمام .. ليفك حسرته ، لكنه لم يفعل ، ولم يحركه إلا طرقات لحوحة على الباب يبدو له من وقعها أنها لم تكن لأول مرة ..

   كانت الست ( امتياز ) تسد ضلفة الباب المفتوحة وبيدها صينية من الألمونيوم ، وقد استقر فوقها  طبق تراصت به أصابع كفتة الجمبري المحمرة ، وبجواره فنجان أبيض برسوم دقيقة لروميو و جوليت ، و كنكة نحاسية يتصاعد منها بخار لطيف عَبِقَ برائحة بن ممتزجة برائحة جسدها .

سيف بدوي

---------------

من مجموعة : لفحات أغسطس (تحت الطبع)