صياغة النص اللغوي
الأديب والمفكر العراقي/ جهاد جوهر
التأليف أو الكتابة هي نوع من أنواع التواصل البشري الذي يستخدم اللغة وسيلة له لنقل رسالة ما إلى المتلقي أو الجمهور، وهي بطبيعة الحال تعبير عن الكلام المنطوق أو الملفوظ المتمثل بالحروف (كفونيمات أو مورفيمات) متآلفة معا كما اصطلح عليه المجتمع؛ لتقابل تلك الكلمات المشكّلة مدلولاتها ومسمياتها التي وضعت من اجلها على اعتبارها رموزا لأشياء معنوية أو مجردة وأشياء مادية أو ملموسة في محيط الإنسان وبيئته الكونية والنفسية، وعندما تتآلف هذه الكلمات مع بعضها البعض فإنها تشكل العبارات والجمل الواضحة، ومن تلك الجمل تتكون النصوص على اختلاف معانيها ومقاصدها، فمنها النص العلمي والنص الأدبي...
في اللغة العربية وكما في أي لغة أخرى تتحكم بحالة التأليف تلك قواعد نحوية وصرفية وإملائية خاصة، تجعل الكتابة ذات مقبولية لدى ذهن المتلقي إذا ما اتفقت مع المنطق السليم وجاءت وفق الأساليب الصحيحة وحققت الأهداف المطلوبة لها، فالنص اللغوي وعند تراص الكلمات به وتجمع الجمل على فكرة محددة تكون هي المضمون أو الروح الفاعلة لهذا الكيان؛ يخرج من إطار هيكليته الجسدية الجامدة إلى صيرورة حية ناطقة لما بين السطور.
أما النصوص الأدبية نظما كانت أو نثرا فإنها تتطلب خصوصية أكثر عمقا منها في النصوص الأخرى، لوجود العاطفة الوجدانية والخيال المبدع الذي يحتاج إلى الصور البديعية والبلاغية والابتعاد عن التقريرية والمباشرة في طرح المعنى المراد إيصاله إلى القارئ، لأن غاية الأدب هنا ليس لمجرد نقل المعلومة أو الفكرة بل هي متعة وخطاب مشاعر وانفعال، عليه يكون النص الأدبي متكاملا عندما يكون فصيحا وبليغا وهادفا، إضافة إلى مراعاته لعناصر ومميزات جنسية النص، وكذلك مسايرته للقيم والأعراف الفاضلة السائدة في الموروث المجتمعي والثقافة الإنسانية العامة.
ما قد تم ذكره آنفا هو مقدمة وعرض سريع لمواضيع احتوتها مؤلفات ضخمة قديما وحديثا تزخر بها المكتبات العربية والأجنبية، وما يهمنا هنا هي رؤية خاصة لمكونات النص أو فلسفة كتابته حيث أن من الممكن تقسيم أي نص قصير جدا (المكون من جملة وما فوقها) إلى قسمين اثنين:
الأول:- وهو القول الصاعد، كمقدمة أولى، ويمكن اعتباره شطر الكلام الأول أو مصراعه الأول الذي لا يتم المعنى به؛ فينتظر المتلقي التكملة لتلك الكلمة التي تكون في القسم الثاني منه...
الثاني:- وهو القول النازل، كمقدمة ثانية، ويمكن اعتباره شطر الكلام الثاني أو مصراعه الثاني الذي به يتم المعنى ويكتمل؛ فيكتفي المتلقي بهذه التكملة...
مع ملاحظة أن هذا التقسيم هو إطار عام لا يخلو من خصوصياته الجزئية، كأن يأتي القسم الثاني بمنتصف القسم الأول الذي ينشطر إلى شطرين اثنين حسبما يقتضيه الحال وتتطلبه البلاغة.
• مثال في الشعر، على اعتبار أن البيت الواحد مكتمل في المعنى، بيت من البحر البسيط للمتنبي:
الخليل والليل والبيداء ...... (1) القسم الأول من الكلام
تعرفني ...... (2) القسم الثاني من الكلام
والسيف والرمح والقرطاس والقلم ...... (1) تابع للقسم الأول من الكلام
• مثال في النثر / الومضة على اعتبارها نص قصير جدا مكتمل في معناه، بعنوان (حب):
احتضنها في ذروة نشوته ...... (1) القسم الأول من الكلام
ضمته شهيدا...... (2) القسم الثاني من الكلام
• مثال في القصة القصيرة جدا، بعنوان (حشرة):
لطالما أزعجَتني تِلكَ الحشرة، تمتصُ دمي، تُصيبني بالأمراضِ، تطُنُّ بأذني إلى حدِّ القرفِ، تضايقني وهي تشاركني طعامي وشرابي، تُقلقني بمجلسي، تؤَرِّقني في منامي، أتعوَّذُ باللهِ منها، أتحاشى ضررها، أطاردها في كلِّ مكانٍ، أحذّرُ الآخرينَ منها...... (1) القسم الأول من الكلام
أمسكْتُ بالجريدةِ التي أضربها بها دائمًا، قرأتُ موضوعًا مثيرًا عنها؛ لقد أصبَحتْ في موقعِ المسؤوليةِ...... (2) القسم الثاني من الكلام
تأخذنا تلك الفكرة إلى رؤية فلسفية خاصة للنص وطريقة صناعته أو صياغته، وكيفية إنشاء الجملة وتركيبها بصيغة إبداعية وبلاغية، إن كانت تلك الجملة هي النص نفسه.
وقد تختلف القصة القصيرة جدا عن الومضة كما في الأمثلة السابقة؛ بأن يكون القسم الأول للأولى مكون من الاستهلال ومتن النص الذي يقع بين الاستهلال والقفلة الخاتمة بطبيعة الحال، التي تكون هي القسم الثاني منه. ونرى أيضا أن هذا التقسيم يتحقق بصورة أكثر وضوحا في جنس الومضة والنصوص القصيرة جدا كالأمثال والحكم والتوقيعات الأدبية والعبارات الفلسفية والأقوال الصوفية... والتي يكون مصدرها الآيات أو الأحاديث أو الأشعار أو التجارب الإنسانية المختلفة وهي كثيرة جدا، وتلك بعض الأمثلة عنها:
- إن اتسعت الرؤيا... ضاقت العبارة.
- الصبر... مفتاح الفرج.
- النصر... مع الصبر.
- العلم... نور.
- اتقوا النار... ولو بشق تمرة.
- الاتحاد... قوة.
- اللبيب... بالإشارة يفهم.
- خير الكلام... ما قل ودل.
- العدل... أساس الملك.
... وخلاصة القول أن النص القصير جدا مركب من قسمين رئيسيين، الأول هو في بداية الكلام والثاني مكمل له، مع ملاحظة اختلاف موضوع التقسيم هذا مع تقسيم الجملة عند النحاة إلى المسند والمسند إليه، والفرق بينهما إن التقسيم هنا مرتبط بالنص كله لا بالجملة وحدها. جهاد جوهر
التسميات: دراسات

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية